قال الصولي: وقد روي هذا لغير أحمد، ولعلّ أحمد استعاره فأعجب المأمون ذلك منه، وشكره غسان بن عبّاد له، وتأكّدت الحال بينهما.
وكان أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح، مولى عجل بن لجيم، عالي الطبقة في البلاغة، ولم يكن في زمانه أكتب منه، وله شعر جيد مرتفع عن أشعار الكتّاب، ووزر للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد، وكان أول ما ارتفع به أحمد أن المخلوع محمد بن الرشيد لمّا قتل أمر طاهر بن الحسين الكتّاب أن يكتبوا إلى المأمون فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا، فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أمّا بعد، فإن كان المخلوع قسيم أمير المؤمنين في النّسب واللّحمة، فقد فرّق بينهما حكم الكتاب في الولاية والخدمة، بمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين لقول الله عزّ وجلّ فيما اقتص [علينا] من نبإ نوح وابنه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ} [1] ، ولا طاعة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد أنجز الله له ما كان ينتظر من سابق وعده، والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقّه، الكائد له فيمن ختر عهده [2] ، ونقض عقده، حتى ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأضاء به أعلام الدين بعد دروسها وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين حقّه، الراجع إليه تراث آبائه الراشدين.
وكان أحمد بن أبي خالد كثيرا ما يصف أحمد للمأمون ويحثّه عليه، فأمره المأمون بإحضاره، فلمّا وقف بين يديه قال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي استخصّك فيما استحفظك من دينه، وقلّدك من خلافته، بسوابغ نعمه، وفضائل قسمه، وعرّفك من تيسير كلّ عسير حاولك عليه متمرّد، حتى ذلّ لك ما جعله تكملة لما حباك به من موارد أموره بنجح مصادرها، حمدا ناميا زائدا لا ينقطع أولاه، ولا ينقضي أخراه، وأنا أسأل الله يا أمير المؤمنين من إتمام بلائه لديك، ومننه عليك، وكفايته ما ولّاك واسترعاك، وتحصين ما حاز لك، والتمكين من بلاد عدوّك، مما يمنع به بيضة الإسلام، ويعزّ بك أهله، ويبيح بك حمى الشّرك، ويجمع لك متباين الألفة، وينجز بك في أهل العناد والضلالة وعده إنه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء.
فقال المأمون: أحسنت، بورك عليك ناطقا وساكتا! ثم قال بعد أن بلاه واختبره: يا
(1) سورة هود 11، الآية 46.
(2) ختر عهده: أفسده. لسان العرب (ختر) .