فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 993

هو جعلها مثلا لقائليه وأسلوبا لسالكيه، وصانه عن ذكر فاحش المجون، حرصا منه على الأخلاق.

يصوّر هذا الكتاب حال المجتمع الإسلامي منذ بداية القرن الأول الهجري حتى عصر مؤلّفه في القرن الخامس الهجري إذ يقدّم لنا صاحبه وصفا لحال الصحابة عندما بلغهم موت رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، فنقل أخبارهم ودوّن آثارهم. ويقدّم قطعة في وصف أهل البيت، رضي الله عنهم، نجتزىء منها ما يلي: «ولهم كلام يعرض في حلي البيان، وينقش في فصّ الزمان، ويحفظ على وجه الدهر، ويفضح قلائد الدّرّ، ويخجل نور الشمس والبدر، ولم لا يطأون ذيول البلاغة، ويجرّون فضول البراعة، وأبوهم الرسول، وأمّهم البتول؟» .

ويثني على بديع الزمان الهمذاني لإقدامه على صنع المقامات لأنّ ابن دريد، الذي سبقه إلى ابتكار هذا الفنّ، جاء بمقامات تنبو عن قبولها الطباع، ولا ترتفع لها حجب الأسماع: «بديع الزمان: وهذا اسم وافق مسمّاه، ولفظ طابق معناه، وكلام غضّ المكاسر أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفا، والهوى يعشقه ظرفا، ولمّا رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع عارضه بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفا، وتقطر حسنا» . ويقدّم نصوصا تظهر مدى النضج الذي وصل إليه الكتّاب في عصره، وبخاصة في مجال الوصف كوصف ماء، وسكين، وامرأة، وغلام، وروضة، وجدول، ونهر، وغدير، وحوض، وقصر، ووصف الليل والنجوم، والبرق والرعد، والمطر، والثلج، وغيرها من أوصاف غلب عليها عنصر البديع كالتورية والجناس والطباق، ممّا يدلّ على أن الصنعة كانت ميزة ذلك العصر.

وقد لاقى هذا الكتاب استحسانا من قبل المتقدّمين فقال فيه ابن بسام: «عارض أبا بحر الجاحظ بكتابه الذي وسمه ب «زهر الآداب، وثمر الألباب» فلعمري ما قصر مداه، ولا قصّرت خطاه، ولولا أنه شغل أكثر أجزائه وأنحائه، ومرج يحبو حمى أرضه وسمائه، بكلام أهل العصر دون كلام العرب، لكان كتاب الأدب، لا ينازعه ذلك إلّا من ضاق عنه الأمد، وأعمى بصيرته الحسد [1] ». ومأخذ ابن بسام الوحيد على هذا الكتاب لا ينتقص من قيمته الأدبية والعلمية والاجتماعية والتاريخية. ويقول فيه ابن خلّكان: «جمع فيه كلّ

(1) الذخيرة، (ق 4، ص 584) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت