وميكائيل فأمّا القوم الذين صدر عنهم سيدي فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد: [الطويل]
فإن كنت قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم
والله يعلم نيّتي للأحرار كافة، ولسيدي من بينهم خاصة فإن أعانني الدهر على ما في نفسي بلغت له ما في النيّة، وجاوزت به مسافة القدر والأمنية، وإن قطع عليّ طريق عزمي بالمعارضة، وسوء المناقضة، صرفت عناني عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار:
[الطويل]
فما النفس إلّا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها
وبعد، فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا فأما أن يسلفنا العربدة فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله، ولست أسومه أن يقول: {اسْتَغْفِرْ لَنََا ذُنُوبَنََا إِنََّا كُنََّا خََاطِئِينَ} [1] ، ولكن أسأله أن يقول: {لََا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللََّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرََّاحِمِينَ} [2] .
فحين ورد الجواب وعين العذر رمدة تركناه بعرّه، وطويناه على غرّه، وعمدنا إلى ذكره فسحوناه، ومن صحيفتنا محوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكّبنا خطته، وتجنّبنا حطّته، فلا طرنا إليه، ولا صرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبّت الأيام، ودرجت الليالي، وتطاولت المدّة، وتصرّم الشهر، وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه وجعل هذا الفاضل يستزيد، ويستعيد، بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه، وتؤديها إليّ، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه، وتعيدها عليّ فكاتبناه بما هذه نسخته:
أنا أرد من الأستاذ سيدي أطال الله بقاه شرعة ودّه وإن لم تصف، وألبس خلعة برّه وإن لم تضف، وقصاراي أن أكيله صاعا عن مدّ فإني وإن كنت في الأدب دعيّ النّسب، ضيق المضطرب، سيىء المنقلب، أمتّ إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إذا زرت زار، وإن عدت عاد، وسيدي أبقاه الله ناقشني في القبول أولا، وصارمني في الإقبال آخرا فأما حديث الاستقبال، وأمر الإنزال والأنزال [3] ، فنطاق الطمع ضيّق عنه، غير متسع لتوقّعه منه،
(1) سورة يوسف 12، الآية 97.
(2) سورة يوسف 12، الآية 92.
(3) الإنزال، بكسر الهمزة: مصدر أنزله، والأنزال، بفتح الهمزة: جمع نزل وهو ما هيّيء للضيف أن