يقلن، وما يدرين أنّي سمعته ... وهنّ بأبواب الخيام جنوح: [1]
أهذا الذي غنّى بسمراء موهنا ... أتاح له حسن الغناء متيح؟
إذا ما تغنّى أنّ من بعد زفرة ... كما أنّ من حرّ السلاح جريح
وقائلة: يا دهم ويحك! إنه ... على ما به من عنّة لمليح [2]
فلو أنّ قولا يجرح الجلد قد بدا ... بجلدي من قول الوشاة قروح [3]
وهذا من غريب الزّجر مليح التفاؤل.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: أنشدني أعرابيّ في قصيدة ذي الرمة التي أوّلها:
[الطويل]
ألا يا اسلمى يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
بيتين لم يروهما الرواة في ديوانه، وهما:
رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة ... من القضب لم ينبت لها ورق خضر
فقلت: غراب لاغتراب، وقضبة ... لقضب النوى هذي العيافة والزّجر
وقال آخر: [الطويل]
دعا صرد يوما على غصن بانة ... وصاح بذات البين منها غرابها [4]
فقلت: أتصريد وشحط وغربة؟ ... فهذا لعمري نأيها واغترابها
وقد أكثرت العرب من ذكر الطّيرة، والزّجر، وكانت تقتدي بذلك وتجري على حكمه، حتى ورد النّهي في سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا عدوى ولا طيرة، وقد قال الأول: [الطويل]
لعمرك ما تدري الضّوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع
وقال ضابىء بن الحارث البرجمي: [الطويل]
وما عاجلات الطير، تدني من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهنّ يخيب
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدّهر حين تنوب
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
(1) في الأمالي: «عني» بدل «أنّي» .
(2) رواية عجز البيت في أمالي القالي هي: على غنّة في صوته لمليح
(3) في أمالي القالي: «قولا يكلم الجلد الوشاة جروح» .
(4) الصّرد، بضم الصاد وفتح الراء: طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير. القاموس المحيط (صرد) .