وقال الكميت بن زيد الأسدي: [الطويل]
ولا أنا ممن يزجر الطير همّه ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية ... أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب
وقال شاعر قديم: [مجزوء الكامل]
لا يمنعنّك من بغا ... ء الخير تعقاد التّمائم
ولا التشاؤم بالعطا ... س ولا التّيامن بالمقاسم
فلقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم [1]
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم [2]
وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم
قد خطّ ذلك في الزّبو ... ر الأوّليّات القدائم
ولقد أحسن ابن كناسة في رثاء ولده يحيى، أنشده أبو العباس ثعلب: [الطويل]
تيمّمت فيه الفأل حتى رزئته ... ولم أدر أنّ الفال فيه يفيل
فسمّيته يحيى ليحيا فلم يكن ... إلى ردّ أمر الله فيه سبيل
وروى المدائني قال: خرج كثيّر من الحجاز يريد مصر، فلمّا قرب منها نزل بمنزل، فإذا هو بغراب على شجرة بان ينتف ريشه وينعب فأسرع الرحيل، ومضى لوجهه فلقيه رجل من بني نهد، فقال: يا أخا الحجاز، ما لي أراك كاسف اللون؟ قال: ما علمت إلّا خيرا، قال: فهل رأيت في طريقك شيئا أنكرته؟ قال: لا والله إلّا في منزلي هذا، فإني رأيت غرابا ينتف ريشه على بانة وينعب. قال: أما إنك تطلب حاجة لا تدركها.
فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال [3] : [الطويل]
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقلت ولو أني أشاء زجرته ... بنفسي للنهديّ: هل أنت زاجره؟
فقال: غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تجاوره [4]
فما أعيف النهديّ، لا درّ درّه! ... وأزجره للطير، لا عزّ ناصره
(1) الواقي: الصّرد وهو طائر كما تقدم. الحاتم: غراب البين. القاموس المحيط (وقى) و (حتم) .
(2) الأشائم: ضدّ الأيامن، وقد تشاءموا به. القاموس المحيط (شأم) .
(3) الأبيات في وفيات الأعيان (ج 4ص 112) .
(4) في وفيات الأعيان: «لاغتراب وفرقة وبان فبين من حبيب تعاشره» .