وهو معافى من السهاد فلا ... يحمل فيمسي فراشه قضضا [1]
أقسمت بالله لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا
فاعتذر إليه، وتشفّع عنده بجماعة من أهل بغداد وكان الأخفش أكثر الناس إخوانا فقبل عذره، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها: [الخفيف]
ذكر الأخفش القديم فقلنا: ... إنّ للأخفش الحديث لفضلا
وإذا ما حكمت والروم قومي ... في كلام معرّب كنت عدلا
أنا بين الخصوم فيه غريب ... لا أرى الزّور للمحاباة أهلا
ومتى قلت باطلا لم ألقّب ... فيلسوفا ولم أسمّ هرقلا
الأخفش القديم هو أبو الخطاب، وكان أستاذ سيبويه، وهو من المتقدمين في النحو، ويعرف بالأخفش الكبير، وكان في عصر سيبويه [أيضا] أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وهو الأخفش الصغير، وهو الذي قال: كان سيبويه يعرض ما وضع من النحو عليّ، ويرى أني أعلم منه، وكان في وقته ذلك أعلم مني.
ثم عاد علي بن سليمان إلى أذاه، واتصل به أنّ رجلا عرض عليه قصيدة من شعره فطعن عليها، فقال قصيدته التي يقول فيها: [المنسرح]
أعتقت عبديّ في القريض معا ... عبدة والفحل من بني عبده
إن أنا لم أرم بالإساءة من ... زاغ عن القصد أو أبى سدده
قلت لمن قال لي عرضت على ... الأخفش ما قلته فما حمده
قصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده
أنشدته منطقي ليشهده ... فغاب عنه عمى وما شهده
ما بلغت بي الخطوب رتبة من ... تفهم عنه الكلاب والقرده
ولا أنا المفهم البهائم وال ... طير سليمان قاهر المرده
فإن يقل إنني حفظت فكالد ... فتر جهلا بكلّ ما اعتقده
سأسمع الناس ذمّه أبدا ... ما سمع الله حمد من حمده
عبدة بن الطيب، وعلقمة بن عبدة الفحل، وكانا شاعرين مجيدين، وقال علقمة ابن عبدة لرجل ورأى آخر يعتذر إليه وهو معبّس في وجهه: إذا اعتذر إليك المعتذر فتلقّه بوجه
(1) القضض، بالفتح: ما تفتّت من الحصى. يقول: إن عينيه لا تعرفان النوم. القاموس المحيط (قضض) .