فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 993

مشرق، وبشر مطلق لينبسط المتذلّل، ويؤمّن المتنصّل.

ولابن الرومي في الأخفش إفحاش صنت الكتاب عنه.

قال علي بن إبراهيم كاتب مسروق البلخي: كنت بداري جالسا فإذا حجارة سقطت بالقرب مني، فبادرت هاربا، وأمرت الغلام بالصعود إلى السطح، والنظر إلى كلّ ناحية من أين تأتينا الحجارة، فقال: امرأة من دار ابن الرومي الشاعر! قد تشوّفت وقالت: اتّقوا الله فينا، واسقونا جرّة من ماء، وإلّا هلكنا، فقد مات من عندنا عطشا.

فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت وبادرت بالجرّة، وأتبعتها شيئا من المأكول ثم عادت إليّ فقالت: ذكرت المرأة أنّ الباب عليها مقفل من ثلاث بسبب طيرة ابن الرومي، وذلك أنه يلبس ثيابه كلّ يوم، ويتعوّذ ثم يصير إلى الباب، والمفتاح معه، فيضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع عينه على جار له كان نازلا بإزائه، وكان أحدب يقعد كل يوم على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه، وقال: لا يفتح أحد الباب.

فعجبت لحديثها، وبعثت بخادم كان يعرفه، فأمرته بأن يجلس بإزائه وكانت العين تميل إليه وتقدّمت إلى بعض أعواني أن يدعو الجار الأحدب فلّما حضر عندي أرسلت وراء غلامي لينهض إلى ابن الرومي، ويستدعيه الحضور فإني لجالس ومعي الأحدب إذ وافى أبو حذيفة الطّرسوسيّ ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد، ودخل ابن الرومي، فلمّا تخطّى عتبة باب الصّحن عثر فانقطع شسع نعله [1] ، فدخل مذعورا وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدلّ على تغير حال فدخل وهو لا يرى جاره المتطيّر منه، فقلت له: يا أبا الحسن، أيكون شيء في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم، ونظرك إلى وجهه الجميل؟ فقال: وقد لحقني ما رأيت من العثرة لأني فكرت أنّ به عاهة! وهي قطع انثييه، قال برذعة: وشيخنا يتطيّر؟ قلت: نعم ويفرط، قال: ومن هو؟ قلت: علي بن العباس، قال: الشاعر؟ قلت: نعم، فأقبل عليه وأنشده: [الطويل]

ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بيني وبين الحبائب

رجعت إلى نفسي فوطّنتها على ... ركوب جميل الصّبر عند النوائب

ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب

فخذ خلسة من كل يوم تعيشه ... وكن حذرا من كامنات العواقب

(1) الشّسع، بكسر الشين وسكون السين: قبال النّعل. القاموس المحيط (شسع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت