وقابلته يد المشتاق تسنده ... إلى الترائب والأحشاء والكبد [1]
كأنّ فيه شفاء من صبابته ... أو مانعا جفن عينيه من السّهد
بين النّديمين والخلّين مصرعه ... وسيره من يد موصولة بيد
ما قابلت طلعة الرّيحان طلعته ... إلّا تبيّنت فيه ذلّة الحسد
قامت بحجّته ريح معطّرة ... تشفي القلوب من الأوصاب والكمد [2]
لا عذّب الله إلّا من يعذّبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد [3]
وكان أردشير بن بابك يصف الورد ويقول: هو درّ أبيض، وياقوت أحمر، على كراسي زبرجد أخضر، توسطه شذور من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر، أخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: [البسيط]
كأنهنّ يواقيت يطيف بها ... زمرّد وسطه شذر من الذّهب
فاشرب على منظر مستظرف حسن ... من خمرة مزّة كالجمر في اللهب
وقال يزيد المهلبي: أحبّ المتوكل أن ينادمه الحسين بن الضحاك، الخليع البصري، وأن يرى ما بقي من ظرفه وشهوته لما كان عليه فأحضره وقد كبر وضعف، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه فسقاه وحيّاه بوردة، وكانت على شفيع أثواب، فمدّ الحسين يده إلى درع شفيع، فقال المتوكل: أتخمش غلامي بحضرتي؟ كيف لو خلوت به! ما أحوجك يا حسين إلى أدب! وكان المتوكل غمز شفيعا على العبث به، فقال حسين: سيدي، أريد دواة وقرطاسا فأمر له بهما، فكتب: [الطويل]
وكالوردة البيضاء حيّا بأحمر ... من الورد يسعى في قراطق كالورد [4]
له عبثات عند كلّ تحيّة ... بكفّيه يستدعي الخليّ إلى الوجد
تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله عيشا لم أنم فيه ليلة ... من الدهر إلّا من حبيب على وعد
ثم دفع الرقعة إلى شفيع، وقال: ادفعها إلى مولاك فلمّا قرأها استملحها، وقال:
لو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك، ولكن بحياتي يا شفيع إلّا كنت ساقيه بقيّة يومه! وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف.
(1) الترائب: عظام الصدر. القاموس المحيط (ترب) .
(2) الأوصاب: جمع وصب وهو المرض. القاموس المحيط (وصب) .
(3) المسمع: المغنيّ. لسان العرب (سمع) .
(4) القراطق: جمع قرطق وهو ضرب من اللباس. لسان العرب (قرطق) .