قال يزيد المهلبي: فصرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، فقلت:
ويحك! أتدري ما صنعت؟ قال: لا أدع عادتي بشيء، وقد قلت بعدك: [مجزوء الخفيف]
لا رأى عطفة الأحب ... بة من لا يصرح
أصغر الساقيين أش ... كل عندي وأملح
لو تراه كالظبي يس ... نح طورا ويبرح
خلت غصنا على كثي ... ب بنور يوشّح
قال الصولي: وكأن الأول من أبيات الحسن من قول العباس بن الأحنف: [الكامل]
بيضاء في حمر الثياب كوردة ... بيضاء بين شقائق النعمان
تهتزّ في غيد الشباب إذا مشت ... مثل اهتزاز نواعم الأغصان
قال أبو بكر الصولي: كان عند الخصي الوزير ظبي داجن ربيب في داره، فعمد إلى نيلوفر فأكله، فاستملح الغزال وأنسه، وقال: لو عمل في أنس هذا الغزال وفعله بالنيلوفر لاشتمل العمل على معنى مليح! فبلغ الخبر أبا عبد الله إبراهيم ابن محمد بن عرفة نفطويه، فبادر لئلّا يسبق، وعمل أبياتا أولها: [الطويل]
جرت ظبية غنّاء ترعى بروضة ... تنوش لدى أفنانها ورقا خضرا [1]
في أبيات غير طائلة، فاستبرد ما أتى به، قال الصولي: فقلت: [الطويل]
ونيلوفر يحكي لنا المسك طيبه ... تراه على اللذّات أفضل مسعد
قد اجتنّ خوف الحادثات بجنّة ... تروق كثوب الراهب المتعبّد
تركّب كالكاسات في ذهبيّة ... على قضب مخضرّة كالزّبرجد
وألبس ثوبا يفضل اللّحظ حسنه ... كما عبثت عين بخدّ مورّد
غذته أهاضيب السماء بدرّها ... تروح عليه كلّ يوم وتغتدي
تلبّس للأنوار ثوب سمائه ... ففضّل عنه الحسن في كلّ مشهد
وفي وسطه منه اصفرار يزينه ... كياقوتة زرقاء في رأس عسجد
أطاف به أحوى المدامع شادن ... حكى طرف من أهوى وحسن المقلّد [2]
كما أخذ الظمآن بالفم كاسه ... ولم يستعن في أخذه الكاس باليد
(1) تنوش: من النّوش وهو التناول. القاموس المحيط (نوش) .
(2) الأحوى: الأسود أو الأحمر إلى السواد. المقلّد: موضع القلادة. القاموس المحيط (حوى) و (قلد) .