رقاق. يوم ممسّك السماء، معصفر الهواء، معنبر الرّوض، مصندل الماء. يوم زرّ عليه جيب الضّباب، وانسحب فيه ذيل السحاب. يوم سماؤه كالخزّ الأدكن، وأرضه كالديباج الأخضر: [الخفيف]
شادن يرتعي القلوب ببغدا ... د ولا يرتعي الكلا بالنّباج [1]
أقبلت والربيع يختال في الرّو ... ض وفي المزن ذي الحيا الثّجّاج [2]
ذو سماء كأدكن الخزّ قد غي ... مت وأرض كأخضر الديباج
فتجلّى عن كلّ ما يتمنّى ... موعد الكد خداة والهيلاج
فظللنا في نزهتين وفي حس ... نين بين الأرمال والأهزاج
بفتاة تسرّنا في المثاني ... وعجوز تسرّنا في الزّجاج
أخذت من رؤوس قوم كرام ... ثارها عند أرجل الأعلاج
يوم حسن الشمائل، ممتع المخايل، سجسج الهواء [3] ، مونق الأرجاء. يوم تبسّم عنه الربيع، وتبرّج عنه الروض المريع. يوم كأنّ سماءه مأتم تتباكى، وأرضه عروس تتجلّى. يوم مشهّر الأوصاف، أغرّ الأطراف. يوم يغفي فيه النّور وينتبه، وتسفر فيه الشمس وتنتقب، وتعتنق الغصون وتفترق، ويوشي الغيم وينسكب. يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مونقة أشجاره، مغرّدة أطياره. نحن في غبّ سماء، قد أقلعت بعد الارتواء، وأقشعت عند الاستغناء، فالنّبت خضل ممطور، والنّقع ساكن محصور. يوم جوّه طارونيّ [4] ، وأرضه طاوسيّ.
يوم دجنه عاكف، وقطره واكف. يوم من أعياد العمر، وأعيان الدّهر.
ولهم في تشبيه محاسن الربيع بمحاسن الإخوان والسادة:
غيث مشبّه بكفّك، واعتداله مضاه لخلقك، وزهره مواز لنشرك [5] ، كأنما استعار حلله من شيمتك، وحليه من سجيّتك، واقتبس أنواره من محاسن أيامك، وأمطاره من جودك وإنعامك. قدم الربيع منتسبا إلى خلقك، مكتسيا محاسنه من طبعك، متوشّحا بأنوار لفظك، متوضّحا بآثار لسانك ويدك. أنا في بستان أذكرني ورده المفتّح بخلقك،
(1) النّباج، بكسر النون: موضع بين مكة والبصرة. معجم البلدان (ج 5ص 255) .
(2) الحيا: المطر. الثّجّاج: كثير السيلان. القاموس المحيط (حيا) و (ثجج) .
(3) السّجسج: الهواء، أي لا حرّ فيه ولا قرّ. القاموس المحيط (سجج) .
(4) الطاروني: ضرب من الطّرن وهو الخزّ، أي إنّ جوّه ممتع جميل. القاموس المحيط (طرن) .
(5) النّشر: الريح الطيّبة. القاموس المحيط (نشر) .