فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 993

المحماة! فقال: إني كنت حاقنا ولا رأي لحاقن [1] ، ثم أنشأ يقول: [المتقارب]

إذا المشكلات تصدّين لي ... كشفت حقائقها بالنّظر

وإن برقت في مخيل الصوا ... ب عمياء لا تجتليها الذكر [2]

مقنعة بأمور الغيوب ... وضعت عليها صحيح الفكر

لسانا كشقشقة الأرحبيّ ... أو كالحسام اليماني الذّكر [3]

وقلبا إذا استنطقته العيون ... أمرّ عليها بواهي الدرر

ولست بإمّعة في الرّجال ... أسائل عن ذا وذا ما الخبر [4]

ولكنني ذرب الأصغرين ... أبيّن مع ما مضى ما غبر [5]

وقال معاوية، رضي الله عنه، لضرار الصّدائي: يا ضرار، صف لي عليا، فقال:

أعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، فقال: أما إذ أذنت فلا بدّ من صفته: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا [6] ، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدّمعة، طويل الفكرة، يقلب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن مع تقريبه إيّانا، وقربه منّا لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم [7] ، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا، إليك عنّي! غرّي غيري، ألي تعرّضت، أم إليّ تشوّفت؟ هيهات! قد باينتك ثلاثا، لا رجعة لي عليك فعمرك قصير، وخطرك حقير، وخطبك يسير آه من قلّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق!

(1) الحاقن: الذي اجتمع بوله كثيرا. محيط المحيط (حقن) .

(2) المخيل: ذو الخال، والخال هو سحاب لا يخلف مطره أو لا مطر فيه. محيط المحيط (خيل) .

(3) الأرحبيّ: الجمل، نسب إلى بني أرحب، وإلى هؤلاء تنسب النجائب الأرحبية. شقشقة الجمل:

هديره. لسان العرب (رحب) و (شقشق) .

(4) الإمّعة: الرجل الذي لا يثبت على شيء. محيط المحيط (أمع) .

(5) ذرب اللسان: حديده. والأصغران: القلب واللسان. محيط المحيط (ذرب) و (صغر) .

(6) القول الفصل: الحقّ. لسان العرب (فصل) .

(7) السليم: الملدوغ. لسان العرب (سلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت