فبكى معاوية حتى أخضلت دموعه لحيته وقال: رحم الله أبا الحسن! فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها!
وقال عليّ، رضوان الله عليه: رحم الله عبدا سمع فوعى، ودعي إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا [1] ، وراقب ربّه، وخاف ذنبه، وقدّم خالصا، وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وكابر هواه، وكذّب مناه، وحذر أجلا، ودأب عملا، وجعل الصبر رغبة حياته، والتّقى عدّة وفاته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفي بأقلّ مما يعلم، لزم الطريقة الغرّاء، والمحجّة البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل.
ولما رجع، رضي الله عنه، من صفّين، فدخل أوائل الكوفة إذا قبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: خبّاب بن الأرتّ [2] ، فوقف عليه، وقال: رحم الله خبّابا! أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
ومضى فإذا هو بقبور، فوقف عليها، وقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم عمّا قليل لاحقون اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنّا وعنهم بعفوك! طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف. ثم التفت، رضي الله عنه، إلى أصحابه، فقال: أما إنهم لو تكلّموا لقالوا:
وجدنا خير الزاد التّقوى.
وذمّ رجل الدنيا بحضرة عليّ، رضي الله عنه، فقال: دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، مهبط وحي الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمّها، وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، وذكّرت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيبا وترهيبا، فيأيّها الذامّ لها، المعلّل نفسه بغرورها، متى خدّعتك الدّنيا؟ أم بماذا استذمّت إليك [3] ، أبمصرع آبائك في البلى؟ أم بمضجع أمهاتك في الثرى، كم مرّضت بكفيّك، وكم عللت بيديك، تطلب له الشفاء، وتستوصف الأطباء، غداة لا ينفعه بكاؤك، ولا يغني دواؤك.
(1) الحجزة: الحضن، وقوله: أخذ بحجزة فلان: أي استظهر به. لسان العرب (حجز) .
(2) خبّاب بن الأرتّ: صحابيّ، مات بالكوفة سنة 37هـ. الأعلام (ج 2ص 30) ومصادر حاشيته.
(3) استذمّت: فعلت ما تذمّ عليه. محيط المحيط (ذمم) .