فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 993

أنا أقدم الإجابة بحمد الله تعالى جدّه، على ما وهب لنا معاشر عبيده وخدمه خاصة، بل لرعاياه عامّة، بل لأهل الأرض كافة، من عظيم النعمة بمكانه، وجسيم الموهبة بإنفاق أعمارنا في زمانه، حتى شاركناه في أسباب السعادة التي لم تزل مذخورة عليه، حتى صارت إليه، وساهمناه في موادّ الفضيلة التي لم تزل محفوظة له حتى اتّصلت به فإنّ المرء أشبه شيء بزمانه، وصفات كل زمان منتسخة من سجايا سلطانه فإن فضل شاع الفضل في الزمان وأهله، وتحلّى الدّهر بأفضل حليته، وتجلّى للعيون والقلوب بأحسن زينته، وكسا بنيه والناشئين فيه بشرف جوهره، وأورثهم نيل فضله، وعزّ العلم وأهله، وعرف لمقتبسه قدره، وتوجّهت الأذهان نحوه، وتعلّقت الخواطر به، وصرفت الفكر فيه، ونشدت ضوالّه، ونظم أشتاته، وجمعت أفراده، ووثقت نفوس الساعين في استفادته بحسن عائدته، فحرصت عليه، وصرفت نظرها إليه، وأيقنت في بضاعتها بالنّفاق، وفي تجارتها بالإرفاق فصار ذلك إلى نماء العلوم وزيادتها داعية، ولتكثير قليلها وإيضاح مجهولها سببا وعلّة، وإلى انخراط جواهرها المتفرقة في سلوك التصنيف سبيلا، وإلى تقييد شواردها بعقل [1] التأليف طريقا. وإن رذل السلطان اتّبعت الرذيلة اتباعا، وذهبت الفضائل ضياعا، وبطلت الأقدار والقيم، وسلبت الأخطار والهمم، وزال العلم والتعلم، ودرس الفهم والتفهم، وضرب الجهل بجرانه، ووطىء بمنسمه، واستعلى الخمول على النباهة، واستولى الباطل على الحقّ، وصار الأدب وبالا على صاحبه، والعلم نكالا على حامله. وبحسب عظيم المحنة بمن هذه صفته، والبلوى مع من هذه صورته، تعظم النعمة بملك سلطان عالم، كالأمير الجليل عضد الدولة، أطال الله تعالى بقاءه، وأدام قدرته، الذي أحلّه الله عزّ وجلّ من الفضائل بملتقى طرقها ومجتمع فرقها، فهي نوادّ ممن لاقت حتى تصير إليه، وشوارد نوازع حيث حلّت حتى تقع عليه، تتلفت تلفت الرامق، وتتشوّف إليه تشوف الصبّ العاشق، قد ملكها أنّى توجهت وحشة المضاع وحيرة المرتاع [2] : [الطويل]

فإن تغش قوما غيره أو تزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل

حتى إذا قابلته أسرعت إليه إسراع السيل ينصبّ في الحدور، والطير ينقضّ إلى الوكور.

(1) العقل، بالضم: جمع عقال وهو حبل تربط به الدابة. لسان العرب (عقل) .

(2) البيت لصريع الغواني مسلم بن الوليد، وهو في الشعر والشعراء (ص 713) ، ورواية صدر البيت هناك هي:

فإن أغش قوما بعده أو أزرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت