فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 993

إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه. قيمة كلّ امرىء ما يحسن.

ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال [1] : فلو لم نقف من هذا الكتاب إلّا على هذه الكلمة لوجدناها شافية، كافية، ومجزية مغنية بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، غير مقصّرة عن الغاية وأفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه ظاهرا في لفظه، وكأنّ الله قد ألبسه من ثياب الجلالة، وغشاه من نور الحكمة، على حسب نيّة صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفا، واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، منزّها عن الاختلال، مصونا عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصّلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله، عزّ وجلّ، من التوفيق، ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.

ومن دعائه [2] ، رضي الله عنه في حروبه: اللهمّ أنت أرضى للرضا، وأسخط للسّخط، وأقدر على أن تغيّر ما كرهت، وأعلم بما تقدر، لا تغلب على باطل، ولا تعجز عن حق، وما أنت بغافل عمّا يعمل الظالمون.

وقال علي رضي الله عنه: [الطويل]

لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها حضين تقدّما

فيوردها في الصّف حتى تردّها ... حياض المنايا تقطر الموت والدّما

جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم ... لدى الروع قوما ما أعزّ وأكرما

وأطيب أخبارا وأفضل شيمة ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما [3]

حضين الذي ذكره هو: أبو ساسان الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي، وكان صاحب رايته يوم صفّين.

(1) النص في البيان والتبيين (ج 1ص 83) ببعض الاختلاف عمّا هنا.

(2) أي من دعاء علي بن أبي طالب، عليه الصلاة والسلام، حيث يعود المؤلف إلى الحديث عنه بعد أن استطرد ما يكفي.

(3) التّغمغم: الأصوات عند القتال. محيط المحيط (غمغم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت