فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 993

وقال له يوما: يا حكيم هذه الأقاليم، اصبب في هذه الآذان من جيّد تلك الألحان، فأقسم لو كان الكلام طعاما، لكان غناؤك له إداما.

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على المعتصم يوما وقد خلا، وعنده جارية تغنّيه، وكان معجبا بها، فلما جلست قال لي: يا أبا إسحاق، كيف تراها؟ فقلت:

يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذق، وتختله برفق، ولا تخرج من حسن إلّا إلى أحسن منه، وفي حلقها شذور نغم أحسن من دوام النعم، قال: يا إسحاق، هي غايات الأمل، ومنسيات الأجل، والسقم الداخل، والشغل الشاغل، وإن صفتك هذه لو سمعها من لم يرها لفقد لبّه، وقضى نحبه.

وسئل إسحاق عن المجيد من المغنين، فقال: من لطف في اختلاسه، وتمكّن من أنفاسه، وتفرّع في أجناسه، يكاد يعرف ضمائر مجالسيه، وشهوات معاشريه، يقرع مسمع كلّ واحد منهم بالنحو الذي يوافق هواه، ويطابق معناه.

وكان إسحاق بن إبراهيم قد جمع إلى حذقه بصناعته حسن التصرف في العلوم، وجودة الصنعة للشعر، وحدّث عن نفسه فقال: كنت أيام الرشيد أبكّر إلى هشيم ووكيع فأسمع منهما، ثم أنصرف إلى عاتكة بنت شهيد فتطارحني صوتين، ثم أصير إلى زلزل الضارب فآخذ منه طريقين، ثم أسير إلى منزلي فأبعث إلى أبي عبيدة والأصمعي، فلا يزالان عندي إلى الظهر، ثم أذهب إلى الخليفة.

ونزل أبوه بالموصل وليس من أهلها فنسب إليها، وهو مولى خزيمة بن خازم التميمي، وفي ذلك يقول إسحاق: [الطويل]

إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم

عطست بأنفي شامخا وتناولت ... بناني الثريّا قاعدا غير قائم

وفيه يقول محمد بن عامر الجرجاني يرثيه: [الطويل]

على الجدث الشرقيّ عوجا فسلّما ... ببغداد لما صدّ عنه عوائده

أإسحاق، لا تبعد، وإن كان قد رمى ... بك الموت مرمّى ليس يصدر وارده

متى تأته يوما تحاول منفسا ... من الدين والدنيا فإنك واجده

إذا هزل اخضرّت فروع حديثه ... ورقّت حواشيه وطابت مشاهده

وإن جدّ كان القول جدّا وأقسمت ... مخارجه ألّا تلين شدائده

ومن جيّد شعر إسحاق قصيدته في إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ بعد إيقاعه بالخرميّة: [الطويل]

تقضّت لبانات وجدّ رحيل ... ولم يشف من أهل الصفاء غليل

ومدّت أكفّ للوداع فصافحت ... وفاضت عيون للفراق تسيل

ولا بدّ للألّاف من فيض عبرة ... إذا ما خليل بان عنه خليل (1)

فكم من دم قد طلّ يوم تحمّلت ... أوانس لا يودى لهن قتيل (2)

غداة جعلت الصبر شيئا نسيته ... وأعولت لو أجدى عليّ عويل (3)

ولم أنس منها نظرة هاج لي بها ... هوى منه باد ظاهر ودخيل

كما نظرت حوراء في ظلّ سدرة ... دعاها إلى ظلّ الكناس مقيل

فلا وصل إلّا أن تلافاه أينق ... عتاق نماها شدقم وجديل (4)

إذا قلبت أجفانها بتنوفة ... طوى البعد منها هزة وذميل (5)

تفرّد إسحاق بنصح أميره ... فليس له عند الإمام عديل

يفرج عنه الشكّ صدق عزيمة ... ولبّ به يعلو الرجال أصيل

أغرّ نجيب الوالدين كأنه ... حسام جلت عنه العيون صقيل

بني مصعب، للمجد فيكم إذا بدت ... وجوهكم للناظرين دليل

كرمتم فما فيكم جبان لدى الوغى ... ولا منكم عند العطاء بخيل

غلبتم على حسن الثناء فراقكم ... ثناء بأفواه الرجال جميل

إذا استكثر الأعداء ما قلت فيكم ... فإن الذي يستكثرون قليل

وهذا نمط الحذاق الفحول، وقال: [الطويل]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت