على الجدث الشرقيّ عوجا فسلّما ... ببغداد لما صدّ عنه عوائده
أإسحاق، لا تبعد، وإن كان قد رمى ... بك الموت مرمّى ليس يصدر وارده
متى تأته يوما تحاول منفسا ... من الدين والدنيا فإنك واجده
إذا هزل اخضرّت فروع حديثه ... ورقّت حواشيه وطابت مشاهده
وإن جدّ كان القول جدّا وأقسمت ... مخارجه ألّا تلين شدائده
ومن جيّد شعر إسحاق قصيدته في إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ بعد إيقاعه بالخرميّة: [الطويل]
تقضّت لبانات وجدّ رحيل ... ولم يشف من أهل الصفاء غليل
ومدّت أكفّ للوداع فصافحت ... وفاضت عيون للفراق تسيل
ولا بدّ للألّاف من فيض عبرة ... إذا ما خليل بان عنه خليل [1]
فكم من دم قد طلّ يوم تحمّلت ... أوانس لا يودى لهن قتيل [2]
غداة جعلت الصبر شيئا نسيته ... وأعولت لو أجدى عليّ عويل [3]
ولم أنس منها نظرة هاج لي بها ... هوى منه باد ظاهر ودخيل
كما نظرت حوراء في ظلّ سدرة ... دعاها إلى ظلّ الكناس مقيل
فلا وصل إلّا أن تلافاه أينق ... عتاق نماها شدقم وجديل [4]
إذا قلبت أجفانها بتنوفة ... طوى البعد منها هزة وذميل [5]
تفرّد إسحاق بنصح أميره ... فليس له عند الإمام عديل
يفرج عنه الشكّ صدق عزيمة ... ولبّ به يعلو الرجال أصيل
أغرّ نجيب الوالدين كأنه ... حسام جلت عنه العيون صقيل
بني مصعب، للمجد فيكم إذا بدت ... وجوهكم للناظرين دليل
كرمتم فما فيكم جبان لدى الوغى ... ولا منكم عند العطاء بخيل
غلبتم على حسن الثناء فراقكم ... ثناء بأفواه الرجال جميل
إذا استكثر الأعداء ما قلت فيكم ... فإن الذي يستكثرون قليل
وهذا نمط الحذاق الفحول، وقال: [الطويل]
ومدرجة للريح غبراء لم يكن ... ليجشمها زمّيلة غير صارم [6]
يضلّ بها الساري وإن كان هاديا ... وتقطع أنفاس الرياح النّواسم
(1) الألّاف: جمع آلف وهو كثير الألفة. القاموس المحيط (ألف) .
(2) طلّ: أهدر. الأوانس: جمع آنسة وهي التي يؤنس إليها. لا يودى لهنّ قتيل: لا تعطى ديته. لسان العرب (طلل) و (أنس) و (ودى) .
(3) أعول: بكى. لسان العرب (عول) .
(4) شدقم وجديل: فحلان من فحولة الإبل المعروفة، كانا للنعمان بن المنذر، يضرب بهما المثل.
لسان العرب (شدقم) و (جدل) .
(5) التّنوفة: الصحراء المترامية الأطراف. الذميل: ضرب من السير السريع. لسان العرب (تنف) و (ذمل) .
(6) مدرجة للريح: أي الصحراء. الزّمّيلة: الجبان. لسان العرب (درج) و (زمل) .