فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 993

واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم، وكأنه مذهب سهّلوا حزنه [1] ، ونهجوا رسمه فأمّا الفحول الأوائل، ومن تلاهم من المخضرمين والإسلاميين فمذهبهم المتعالم «عدّ عن كذا إلى كذا» [2] وقصارى كلّ واحد منهم وصف ناقته بالعتق، والنّجابة والنجاء، وأنه امتطاها فادّرع عليها جلباب اللّيل وربما اتّفق لأحدهم معنى لطيف يتخلّص به إلى غرض لم يتعمّده إلّا أن طبعه السليم، وصراطه في الشعر المستقيم، نصبا مناره وأوقدا باليفاع ناره فمن أحسن تخلّص شاعر إلى معتمده قول النابغة الذبياني [3] : [الطويل]

فكفكفت منّي عبرة فرددتها ... على النّحر، منها مستهلّ ودامع

على حين عاتبت المشيب على الصّبا ... وقلت: ألمّا أصح والشيب وازع [4]

وقد حال همّ، دون ذلك، شاغل ... مكان الشّغاف، تبتغيه الأصابع [5]

وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضّواجع [6]

وهذا كلام متناسخ، تقتضي أوائله أواخره، ولا يتميّز منه شيء عن شيء: [الطويل]

أتاني، أبيت اللعن، أنك لمتني ... وتلك التي تستكّ منها المسامع

مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع

ولو توصّل إلى ذلك بعض الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعاني، وفتحوا أبواب البديع، واجتنوا ثمر الآداب، وفتحوا زهر الكلام لكان معجزا عجبا، فكيف بجاهل بدوي إنما يغترف من قليب قلبه، ويستمدّ عفو هاجسه.

وقال عليّ بن هارون المنجم عن أبيه: لم يتوصل أحد إلى مدح بمثل قول [ابن] وهيب: [الكامل]

ما زال يلثمني مراشفه ... ويعلّني الإبريق والقدح

(1) الحزن، بفتح الحاء: خلاف السهل. محيط المحيط (حزن) .

(2) هذا كقول زهير بن أبي سلمى من قصيدة مدح في هرم: [الكامل]

دع ذا وعدّ القول في هرم ... خير البداة وسيّد الحضر

ديوان النابغة الذبياني (ص 27) . يقول: دع ما أنت فيه من وصف الديار واصرف القول. والبداة:

البدو، واحدها باد.

(3) ديوان النابغة الذبياني (ص 8079) .

(4) الوازع: الرادع لسان العرب (وزع) .

(5) الشّغاف: حجب القلب. لسان العرب (شغف) .

(6) راكس: اسم واد. الضواجع: جمع ضاجعة وهي منحنى الوادي. محيط المحيط (ضجع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت