أدارهم الأولى بدارة جلجل ... سقاك الحيا روحاته وبواكره [1]
وجاءك بحكي يوسف بن محمد ... فروّتك ريّاه وجادك ماطره
وقد كرر هذا وزاد فيه فقال: [البسيط]
تنصّب البرق مختالا فقلت له: ... لو جدت جود بني يزدان لم تزد
ومن ذا الذي لطف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح، فقال أحسن من أقوله:
[الطويل]
كأنّ سناها بالعشيّ لصحبها ... تبلّج عيسى حين يلفظ بالوعد
وأنّى لأبي تمام مثل حسن انتهائه حيث يقول: [الطويل]
إليك القوافي نازعات شواردا ... يسيّر ضاحي وشيها وينمم
ومشرقة في النظم غرّا يزيدها ... بهاء وحسنا أنها لك تنظم
وقوله في هذا المعنى: [الطويل]
ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء تخال الروض فيه منوّرا ... ضحى، وتخال الوشي فيه منمنما
ولقد تقدم البحتري الناس كلهم في قوله [2] : [الكامل]
لو أنّ مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
قال أبو علي: وكنت ساكنا إلى أن استتمّ كلامه، فكأنّ الجماعة أعجبهم ذلك، عصبية عليّ لا على أبي تمام لأني كنت كالشّجى معترضا في لهواتهم، وأسرّ كلّ واحد منهم إلى صاحبه سرّا يومىء به إلى استيلاء الرجل عليّ فلمّا استتمّ كلامه وبرقت له بارقة طمع في تسليمي له ابتدأت فقلت: لست ممن يقعقع له بالشّنان، ولا يقرع له بالعصا، لا إله إلّا الله! استنّت الفصال حتى القرعى! هل هذه المعاني إلا عون [3] مفترعة، قد تقدم أبو تمام إلى سبك نضارها، وافتضاض أبكارها، وجرى البحتري على وتيرته في انتزاع أمثالها وأتباعها، فأمّا قوله: «عارضننا أصلا فقلنا الربرب» ، فمن قول أبي جويرية العبدي: [الكامل]
سلّمن نحوي للوداع بمقلة ... فكأنما نظرت إلينا الربرب
(1) الحيا، بالفتح: المطر. محيط المحيط (حيا) .
(2) ديوان البحتري (ج 1ص 20) من قصيدة مديح، وجاء في الديوان: «فلو أنّ» بدل «لو أنّ» . وفي البيت إشارة إلى قول الله تعالى: {لََا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلََّا وُسْعَهََا} . سورة البقرة 2، الآية 233.
(3) العون: جمع عوان وهي المرأة التي كان لها زوج. لسان العرب (عون) .