وذكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى، وقال: ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب! وأنشد متمثّلا: [الوافر]
أتأمل رجعة الدنيا سفاها ... وقد صار الشباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكلّ أرض ... جمعن لنا فنحن على الشباب
وكان الرشيد يقدم منصورا النمري بجودة شعره، ولما يمتّ إليه من النسب من العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن قاسط ولما كان يظهر من الميل إلى إمامة العباس وأهله، والمنافرة لآل علي، رضي الله عنه، ويقول: [الوافر]
بني حسن وقل لبني حسين ... عليكم بالسّداد من الأمور
أميطوا عنكم كذب الأماني ... وأحلاما يعدن عداة زور [1]
تسمّون النبي أبا وبأبى ... من الأحزاب سطر في سطور
يريد قول الله تعالى: {مََا كََانَ مُحَمَّدٌ أَبََا أَحَدٍ مِنْ رِجََالِكُمْ} [2] . وهذا إنما نزل في شأن زيد بن حارثة، وكان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، تبنّاه، فقال له الرشيد: ما عدوت ما في نفسي، وأمره أن يدخل بيت المال فيأخذ ما أحبّ.
وكان يضمر غير ما يظهر، ويعتقد الرّفض، وله في ذلك شعر كثير لم يظهر إلّا بعد موته، وبلغ الرشيد قوله: [الكامل]
آل النبيّ ومن يحبّهم ... يتطامنون مخافة القتل
أمن النصارى واليهود ومن ... من أمّة التوحيد في أزل [3]
إلّا مصالت ينصرونهم ... بظبا الصّوارم والقنا الذّبل [4]
فأمر الرشيد بقتله [وكان حينئذ برأس العين] ، فمضى الرسول فوجده قد مات فقال الرشيد: لقد هممت أن أنبش عظامه فأحرقها. وكان يلغز في مدحه لهارون، وإنما يريد قول النبي، صلّى الله عليه وسلّم، لعليّ، رضوان الله عليه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» . وقال الجاحظ: وكان يذهب أولا مذهب الشّراة [5] ، فدخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم
(1) أميطوا عنكم: أبعدوها عنكم. لسان العرب (ميط) .
(2) سورة الأحزاب 33، الآية 40.
(3) الأزل: الشدّة والضيق. لسان العرب (أزل) .
(4) المصالت: جمع مصلت وهو المقدام الشجاع. الظّبا: جمع ظبة وهي حدّ السيف. الصوارم: جمع صارم وهو السيف. لسان العرب (صلت) و (ظبا) و (صرم) .
(5) الشّراة: الخوارج، سمّوا أنفسهم بذلك لأنهم شروا أنفسهم في طاعة الله، أي باعوها بالجنة حين