فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 993

قال أبو العباس محمد بن يزيد [1] : وكان عبد الصمد شديد الإقدام على رديء السريرة فيما بينه وبين الناس، خبيث النّيّة، يرصد صديقه بالمكروه، تقديرا أن يعاديه فيسوءه بأمر يعرفه ولا يكاد يسلم لأحد، وكان مشهورا في ذلك الأمر، يلبس عليه [2] ، ويحمل على معرفة، عجبا بظرف لسانه، وطيب مجلسه، وأيضا لقبح مسبّته، وشائن معرّته.

قال أبو العيناء: ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح، وكان لي صديقا، صنعت له هذا الخبر رجاء أن ينتهي إلى أمير المؤمنين فينتفع به، فأخبرني زيد بن علي بن الحسين أنه كان عند الواثق حين قرىء عليه فضحك واستظرفه. وقال: ما صنع هذا كلّه أبو العيناء إلّا في سبب إبراهيم بن رياح، وأمر بتخليته، والخبر قال: لقيت أعرابيا من بني كلاب فقلت له: ما عندك من خبر هذا العسكر؟ فقال: قتل أرضا عالمها، قال: فقلت: فما عندك من خبر الخليفة؟ قال: بخبخ بعزّه، وضرب بجرانه [3] ، وأخذ الدرهم من مصره، وأرهف قلم كلّ كاتب بجبايته. قلت: فما عندك في أحمد بن أبي دواد؟ قال: عضلة [4] لا تطاق، وجندلة [5] لا ترام، ينتحي بالمدى لتحزه فيجور، وتنصب له الحبائل حتى تقول: الآن، ثم يضبر [6] ضبرة الذئب، ويخرج خروج الضب، والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت: فما عندك في عمر بن فرج؟ قال: ضخم حضجر [7] ، غضوب هزبر، قد أهدفه القوم لبغيهم، وانتضلوا له عن قسيّهم، وأحر له بمثل مصرع من يصرع. قلت: فما عندك في خبر ابن الزيّات؟ قال: ذلك رجل وسع الورى شرّه، وبطن بالأمور خيره. فله في كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثر ناب ولا مخلب، إلّا بتسديد الرأي. قلت: فما عندك في خبر إبراهيم بن رياح! قال: ذاك رجل أوبقه كرمه، وإن يفز للكرام قدح، فأحر بمنجاته، ومعه دعاء لا يخذله، وربّ لا يسلمه، وفوقه خليفة لا يظلمه. قلت: فما عندك في خبر نجاح بن سلمة؟ قال: لله درّه من ناقض أوتار، يتوقّد كأنه شعلة نار، له في الفينة

(1) هو المبرّد محمد بن يزيد الأزدي المتوفّى سنة 285هـ، وقد تقدمت ترجمته.

(2) يلبس عليه: أي يلبس عليه الأمر يقال: لبس عليه الأمر إذا خلطه وجعله مشتبها بغيره. محيط المحيط (لبس) .

(3) ضرب بجرانه: أي ثبت واستقرّ. محيط المحيط (جرن) .

(4) العضلة: الداهية. محيط المحيط (عضل) .

(5) الجندلة: جمعها جندل وهو الحجر كله. لسان العرب (جندل) .

(6) ضبر: وثب. محيط المحيط (ضبر) .

(7) الحضجر: العظيم البطن. محيط المحيط (حضجر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت