سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا
قال بعض أهل العلم بالمعاني: أعجب بقوله: «ولم يألوا» لأنه لما ذكر السعي بعدهم، والتخلّف عن بلوغ مساعيهم، جاز أن يتوهّم السامع أن ذلك لتقصير الطالبين في طلبهم فأخبر أنهم لم يألوا، وأنهم كانوا غير مقصرين وأنهم مع الاجتهاد في المتأخرين ثم لم يرض بأن يجعل مجدهم طارفا فيهم، ولا جديدا لديهم، حتى جعله إرثا عن الآباء، يتوارثه سائر الأبناء، ثم لم يرض أن يكون في الآباء حتى جعله موروثا عن آبائهم، وهذا لو تكلّفه متكلّف في المنثور دون الموزون لما كان له هذا الاقتدار مع هذا الاختصار.
وكانت قريش معجبة بشعر زهير، وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إنّا قد سمعنا كلام الخطباء والبلغاء، وكلام ابن أبي سلمى، فما سمعنا مثل كلامه من أحد فجعلوا ابن أبي سلمى نهاية في التجويد، كما ترى.
وذكر أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه قال: إن من أشعر شعرائكم زهيرا، كان لا يعاظل [1] بين الكلام، ولا يتبع حوشيّه، ولا يمدح الرجل إلّا بما يكون في الرجال.
وأخذ معنى قول زهير:
* سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم * طريح بن إسماعيل الثّقفيّ [2] ، فقال لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي السفاح: [المسرح]
قد طلب الناس ما بلغت ولم ... يألوا فما قاربوا وقد جهدوا
فهم ملوك ما لم يروك، فإن ... لاح لهم منك بارق خمدوا
تعروهم رعدة لديك كما ... قرقف تحت الدجنّة الصّرد [3]
لا خوف ظلم ولا قلى خلق ... لكن جلالا كساكه الصّمد [4]
ما يبقك الله للأنام فما ... يفقد من العالمين مفتقد [5]
(1) عاظل الكلام: لم يحمل بعضه على بعض، ولم يكرّر اللفظ والمعنى. لسان العرب (عظل) .
(2) طريح بن إسماعيل الثقفي: شاعر الوليد بن يزيد الأموي وخليله. توفي سنة 165هـ. ترجمته في معجم الأدباء (ج 3ص 430) والأغاني (ج 4ص 298) والأعلام (ج 3ص 226) .
(3) قرقف: أرعد. الدّجنّة: الظلمة. الصّرد: الذي يشكو قسوة البرد. لسان العرب (قرقف) و (دجن) و (صرد) .
(4) القلى: البغض. لسان العرب (قلا) .
(5) «ما» : أداة شرط.