وله: ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقّها لمشيت إلى حضرته آنسها الله تعالى حبوا [لا] على القدم، ولآثرت فيه خدمة اللسان على خدمة القلم، ولما رضيت له بباعي القصير، وعبارتي الموسومة بالعجز والقصور، حتى أستعير فيه ألسنة تحمل شكرا وثناء، وتوسع نشرا [1] ودعاء، ثم لا أكون بلغت مبلغا كافيا، ولا أبليت عذرا شافيا إلّا أنّ عدم الإذن ثبّطني [2] عن مقصود الغرض، وعاقني عن الواجب المفترض فأقمت عاكفا على دعاء أرفعه إلى الله عزّ وجلّ مبتهلا، وأواصله مجتهدا في ليلي ونهاري محتفلا.
وله: أحقّ النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة [3] ، والقلوب إليها متشوّفة [4] ، والأيام بها واعدة، والأقدار فيها مساعدة، حتى استقرّت في نصابها، وألقت عصيّ اغترابها، فهي للنماء والزيادة مترشحة، وبالعزّ والسعادة متوشحة، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتهنة، وباتفاق الكلمة والأهواء عليها مرتبطة محصّنة.
وله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين:
أقدار الله تعالى في خلقه لم تزل تختلف بين مكروه ومحبوب، وتتصرّف بين موهوب ومسلوب، غادية أحكامها مرّة بالمصائب والنوائب، رائحة أقسامها تارة بالعطايا والرغائب، ولكن أحسنها في العيون أثرا، وأطيبها في الأسماع خبرا، وأحراها بأن تكسب القلوب عزاء وتصبّرا، ما إذا انطوى نشر، وإذا انكسر جبر، وإذا أخذ بيد ردّ بأخرى، وإذا وهب بيمنى سلب بيسرى، كالمصيبة بفلان التي قرّحت الأكباد، وأوهنت الأعضاد، وسوّدت وجوه المكارم والمعالي، وصورت الأيام في صور الليالي، وغادرت المجد وهو يلبس حداده، والعدل وهو يبكي عماده، والدين وهو يندب جهاده، حتى إذا كاد اليأس يغلب الرّجاء، ويردّ الظنون مظلمة النواحي والأرجاء، قيّض الله تعالى من الأمير الجليل من اجتمعت عليه الأهواء، ورضيت به الدهماء، فأسى به حادث الكلم، وسدّ بمكانه عظيم الثّلم، وردّ الآمال والنفوس قد استبدلت بالحيرة قوة وانتصارا، وصارت للدولة المباركة أعوانا وأنصارا.
ومن شعره في تجنيس القوافي، في معان مختلفة: [المتقارب]
إذا لم تكن لمقال النصيح ... سميعا ولا عاملا أنت به
ينبّهك الدهر من رقدة ال ... ملاهي وإن قلت لا أنتبه
(1) النّشر: الإذاعة بين الناس. لسان العرب (نشر) .
(2) ثبّطه: أقعده. لسان العرب (ثبط) .
(3) مستشرفة: متطلّعة. لسان العرب (شرف) .
(4) متشوّفة: متطلّعة. لسان العرب (شوف) .