ونكالا. ما لي أرى الآباط [1] جائشة والآناف [2] معشبة، والعيون منورة، والأزرار مرعى، والأظفار حمى، واللحى لبودا، والأسنان خضرا وسودا؟.
وكتب إلى بديع الزمان بعض من عزل عن ولاية حسنة يستمدّ وداده ويستميل فؤاده فأجابه بما نسخته: وردت رقعتك أطال الله بقاءك فأعرتها طرف التعزّز ومددت إليها يد التقزّز، وجمعت عليها ذيل التحرّز، فلم تند على كبدي، ولم تحظ بناظري ويدي ولقد خطبت من مودّتي ما لم أجدك لها كفيّا، وطلبت من عشرتي ما لم أرك لها رضيّا وقلت:
هذا الذي رفع عنّا أجفان طرفه، وشال بشعرات أنفه، وتاه بحسن قدّه، وزها بورد خدّه، ولم يسقنا من نوئه، ولم نسر بضوئه فالآن إذ نسخ الدهر آية حسنه، وأقام مائل غصنه، وفلّل غرب عجبه [3] ، وكفّ شأو زهوه وانتصر لنا منه بشعرات قد كسفت هلاله، وأكسفت باله، ومسخت جماله، وغيّرت حاله، وكدّرت شرعته [4] ، ونكّرت طلعته، جاء يستقي من جرفنا جرفا، ويغرف من طينتنا غرفا، فمهلا يا أبا الفضل مهلا: [مجزوء الكامل]
أرغبت فينا إذ علا ... ك الشّعر في خدّ قحل؟
وخرجت من حدّ الظبا ... ء وصرت في حدّ الإبل؟
أنشأت تطلب عشرتي ... عد للعداوة يا خجل
أنسيت أيامك إذ تكلّمنا نزرا [5] ، وتنظرنا شزرا [6] ، وتجالس من حضر، ونسرق إليك النظر، ونهتز لكلامك، ونهش لسلامك: [الطويل]
فمن لك بالعين التي كنت مرة ... إليك بها في سالف الدّهر أنظر؟
أيام كنت تتمايل، والأعضاء تتزايل، وتتغانج، والأجساد تتفالج، وتتفلّت، والأكباد تتفتّت، وتخطر وترفل، والوجد بنا يعلو ويسفل، وتدبر وتقبل، فتمنّى وتخبل، [وتصدّ] وتعرض، فتضني وتمرض: [الطويل]
وتبسم عن ألمي كأنّ منورا ... تخلّل حرّ الرمل دعص له ندّ
(1) الآباط: جمع إبط وهو باطن المنكب. محيط المحيط (أبط) .
(2) الآناف: جمع أنف. محيط المحيط (أنف) .
(3) فلّل: كسر. الغرب: الحدّ. لسان العرب (فلل) و (غرب) .
(4) الشّرعة: موضع ورود الماء. كدّرت شرعته: صيّرت ماءه كدرا. لسان العرب (شرع) و (كدر) .
(5) النّزر: القليل. محيط المحيط (نزر) .
(6) نظره شزرا: نظر فيه إعراض، أو نظر الغضبان. محيط المحيط (شزر) .