فهرس الكتاب

الصفحة 651 من 993

فأقصر الآن فإنه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت: [مجزوء المتقارب]

وعهد نفاق مضى ... وسوق كساد نزل

وخدّ كأن لم يكن ... وخطّ كأن لم يزل

ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس، وثغر غاض ماؤه فلا يرشف، وريق خدع فلا ينشف، وتمايل لا يعجب، وتثنّ لا يطرب، [ووجه زال بهاؤه] ، ومقلة لا تجرح ألحاظها، وشفة لا تفتن ألفاظها، فحتّام تدلّ، وإلام نحتمل وعلام؟ وآن أن تذعن الآن، وقد بلغني ما أنت متعاطيه من تمويه يجوز بعد العشاء في الغسق، وتشبيه يفتضح عند ذوي البصر والصدق من إفنائك لتلك الشعرات جفّا وحصّا، وإنحائك عليه نقصا وقصّا.

وسيكفينا الدهر مؤونة الإنكار عليك، بما يزفّ من بنات الشعر وأمهاته إليك فأما ما استأذنت فيه رأيي من الاختلاف إلى مجلسي فما أقلّ إليك نشاطي، وأضيق عنك بساطي، وأشنع قلقي منك، وأشدّ استغنائي عن حضورك، فإن حضرت فأنت داء نروض عليه الحلم، ونتعلّم به الصبر، ونتكلّف فيه الاحتمال، ونغضي منه الجفن على قذى، ونطوي منه الصدر على أذى، ونجعله للقلوب تأنيبا، وللعيون تأديبا. وما لك إلّا أن تعتاض من الرغبة عنّا رغبة فينا. ومن ذلك التدلّل علينا تذللا لنا، ومن ذلك التعالي تبصبصا [1] ، ومن ذلك التغالي ترخّصا، وما بال الدهر أعقبك من التزايد تنقصا، ومن التسحّب على الإخوان [2] تقمّصا، ولئن اعتضت من الذهاب رجوعا، لقد اعتضنا من النزاع نزوعا [3] ، فانأ برحلك وجانبك، ملقى حبلك على غاربك، لا أوثر قربك، ولا أنده [4] سربك، والسلام.

ومن إنشاء بديع الزمان في مقامات الإسكندري، ولعلّ ما فيها من الطول غير مملول. قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كان يبلغني من مقامات الإسكندري ما يصغي له النّفور، وينتفض له العصفور، ويروى لي من شعره ما يمتزج بأجزاء الهواء رقّة، ويغمض عن أوهام الكهنة دقّة، وأنا أسأل الله بقاءه، حتى أرزق لقاءه، وأتعجّب من قعود همّته بحالته، مع حسن آلته، وقد ضرب الدهر شؤونه أسدادا وهلمّ جرّا. إلى أن اتفقت لي

(1) يقال: تبصبص الجرو: أي حرّك ذنبه، وتبصبص فلان: تملّق. محيط المحيط (بصص) .

(2) في الأصل: «الإخون» بدون ألف.

(3) يقال: نزعت النفس إلى كذا: اشتاقته، ونزعت عنه: انصرفت. لسان العرب (نزع) .

(4) يقال: نده الإبل: أي ساقها مجتمعة. محيط المحيط (نده) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت