وعارض قد اخضرّ، وشارب قد طرّ [1] ، وساعد ملآن، وقضيب ريّان، ونجار تركيّ، وزي ملكي، فقلت: ما جاء بك؟ لا أبالك! فقال: أنا عبد بعض الملوك، همّ من قتلي بهمّ، فهمت على وجهي إلى حيث تراني، وشهدت شواهد حاله، على صدق مقاله، ثم قال: أنا اليوم عبدك، ومالي مالك، فقلت: بشرى لك وبك، أدّاك سيرك إلى فناء رحب، وعيش رطب، وهنأتني الجماعة، بحسب الاستطاعة، وجعل ينظر فتقتلنا ألحاظه، وينطق فتفتننا ألفاظه، والنفس تناجيني فيه بالمحظور، والشيطان من وراء الغرور، فقال:
يا سادة، إنّ في سفح هذا الجبل عينا، وقد ركبتم فلاة عوراء [2] ، فخذوا من هنالك الماء، فلوينا الأعنة، إلى حيث أشار، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادب العيدان [3] ، فقال: ألا تقيلون في هذا الظل الرّحب، على هذا الماء العذب؟ فقلنا: أنت وذاك، فنزل عن فرسه، ونحى منطقته، وحلّ قرطقته [4] ، فما استتر عنّا إلّا بغلالة [تنمّ] على بدنه، فما شككنا أنّه خاصم الولدان، ففارق الجنان، وهرب من رضوان، وعمد إلى السروج فحطّها، وإلى الأفراس فحشّها [5] ، وإلى الأمكنة ففرشها، وقد حارت البصائر فيه، ووقعت الأبصار عليه، ووتد كلّ منّا شبقا، وخنث اللفظ ملقا. وقلت: يا فتى، ما ألطفك في الخدمة! وأحسنك في الجملة! فالويل لمن فارقته، وطوبى لمن رافقته، فكيف نشكر الله على النعمة بك؟! فقال: ما سترونه أكثر، أتعجبكم خفّتي في الخدمة، فكيف لو رأيتموني في الرّفقة؟ أريكم من حذقي طرفا، لتزدادوا بي شغفا؟ فقلنا: هات، فعمد إلى قوس [أحدنا] فأوتره وفوّق سهما فرماه في السماء، وأتبعه بآخر فشقّه في الهواء، وقال: سأريكم نوعا آخر، ثم عمد إلى كنانتي فأخذها، وإلى فرسي فعلاه، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدره، وآخر طيّره من ظهره، فقلت: ويحك! ما تصنع؟ قال:
اسكت يا لكع، والله ليشدنّ كلّ منكم يد رفيقه، أو لأغصّنّه بريقه [6] ، فلم ندر ما نصنع، وأفراسنا مربوطة، وسروجنا محطوطة، وأسلحتنا بعيدة، وهو راكب ونحن رجّالة، والقوس في يده يرشق بها الظهور، ويمشق بها [7] البطون والصدور، وحين رأينا منه
(1) طرّ الشارب: طلع. محيط المحيط (طرر) .
(2) الفلاة العوراء: الصحراء التي ليس بها ماء ولا علم. محيط المحيط (فلا) و (عور) .
(3) الجنادب: جمع جندب وهو ضرب من الجراد. العيدان: جمع عود. وقوله: ركبت الجنادب العيدان: كناية عن اشتداد الحرّ. القاموس المحيط (جندب) و (عود) .
(4) القرطق: قباء (كساء) ذو طاق واحد، معرب كرته بالفارسية. محيط المحيط (قرطق) .
(5) حشّ الأفراس: قدّم لها الحشيش، والأفراس جمع فرس. محيط المحيط (حشش) .
(6) غصّ الرجل بريقه: أي اعترض في حلقه الريق فمنعه من التنفّس. محيط المحيط (غصص) .
(7) يمشق البطون والصدور: يمزّقها أو يسرع في طعنها وضربها. محيط المحيط (مشق) .