فهرس الكتاب

الصفحة 654 من 993

الجدّ، أخذنا القدّ [1] ، فشدّ بعضنا بعضا، وبقيت وحدي لا أجد من يشدّني، فقال: اخرج بإهابك [2] ، عن ثيابك، ثم نزل عن فرسه، وجعل يصفع الواحد منّا بعد الآخر، ويقول:

أقمت قضيبك، فخذ نصيبك، [ونزع ثيابه] وصار إليّ وعليّ خفّان جديدان فقال:

اخلعهما لا أمّ لك، فقلت: هذا خفّ لبسته رطبا، فليس يمكنني خلعه فقال: عليّ نزعه، ثم دنا لينزع الخفّ، ومددت يدي إلى سكّين فيه وهو مشغول، فأثبته في بطنه، وأبنته من متنه [3] . فما زاد على فم فغره [4] ، وألقمه حجره، وقمت إلى أصحابي فحللت أيديهم، وتوزّعنا سلب المقتولين، وأدركنا الرفيق، وقد جاد بنفسه، وصار إلى رمسه [5] ، وصرنا إلى الطريق فوردنا حمص بعد ليال، فلمّا انتهينا إلى فرضة من سوقها رأينا رجلا قد قام على رأس ابن وبنيّة، بجراب وعصيّة، وهو يقول: [مجزوء الخفيف]

رحم الله من حشا ... في جرابي مكارمه

رحم الله من رثى ... لسعيد وفاطمه

إنّه خادم لكم ... وهي لا شكّ خادمه

قال عيسى بن هشام: فقلت: إنّ هذا الرجل هو الإسكندري الذي سمعت به وسألت عنه فإذا هو هو، فدلفت [6] إليه، فقلت له: أحكمك حكمك، فقال: درهم، فقلت:

[مجزوء الكامل]

لك درهم في مثله ... ما دام يسعدني النّفس

فاحسب حسابك والتمس ... كيما تنال الملتمس

لك درهم في اثنين، وفي ثلاثة، وفي أربعة، في خمسة حتى بلغت العشرين، ثم قلت: كم معك؟ قال: عشرون رغيفا، فأمرت له بها، وقلت: لا نصرة مع الخذلان، ولا حيلة مع الحرمان.

وقال أبو فراس الحمداني [7] : [البسيط]

سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله

(1) القدّ: السّير يقدّ من جلد غير مدبوغ يقيّد به الأسير. محيط المحيط (قدد) .

(2) الإهاب: الجلد. محيط المحيط (أهب) .

(3) المتن: الظهر، وأبنته من متنه: فصلته، أي أخرجته. محيط المحيط (متن) و (بين) .

(4) فغر فمه: فتحه. لسان العرب (فغر) .

(5) الرّمس: القبر. لسان العرب (رمس) .

(6) دلف إليه: مشى مشيء المقيّد. محيط المحيط (دلف) .

(7) ديوان أبي فراس الحمداني (ص 164) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت