الجدّ، أخذنا القدّ [1] ، فشدّ بعضنا بعضا، وبقيت وحدي لا أجد من يشدّني، فقال: اخرج بإهابك [2] ، عن ثيابك، ثم نزل عن فرسه، وجعل يصفع الواحد منّا بعد الآخر، ويقول:
أقمت قضيبك، فخذ نصيبك، [ونزع ثيابه] وصار إليّ وعليّ خفّان جديدان فقال:
اخلعهما لا أمّ لك، فقلت: هذا خفّ لبسته رطبا، فليس يمكنني خلعه فقال: عليّ نزعه، ثم دنا لينزع الخفّ، ومددت يدي إلى سكّين فيه وهو مشغول، فأثبته في بطنه، وأبنته من متنه [3] . فما زاد على فم فغره [4] ، وألقمه حجره، وقمت إلى أصحابي فحللت أيديهم، وتوزّعنا سلب المقتولين، وأدركنا الرفيق، وقد جاد بنفسه، وصار إلى رمسه [5] ، وصرنا إلى الطريق فوردنا حمص بعد ليال، فلمّا انتهينا إلى فرضة من سوقها رأينا رجلا قد قام على رأس ابن وبنيّة، بجراب وعصيّة، وهو يقول: [مجزوء الخفيف]
رحم الله من حشا ... في جرابي مكارمه
رحم الله من رثى ... لسعيد وفاطمه
إنّه خادم لكم ... وهي لا شكّ خادمه
قال عيسى بن هشام: فقلت: إنّ هذا الرجل هو الإسكندري الذي سمعت به وسألت عنه فإذا هو هو، فدلفت [6] إليه، فقلت له: أحكمك حكمك، فقال: درهم، فقلت:
[مجزوء الكامل]
لك درهم في مثله ... ما دام يسعدني النّفس
فاحسب حسابك والتمس ... كيما تنال الملتمس
لك درهم في اثنين، وفي ثلاثة، وفي أربعة، في خمسة حتى بلغت العشرين، ثم قلت: كم معك؟ قال: عشرون رغيفا، فأمرت له بها، وقلت: لا نصرة مع الخذلان، ولا حيلة مع الحرمان.
وقال أبو فراس الحمداني [7] : [البسيط]
سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله
(1) القدّ: السّير يقدّ من جلد غير مدبوغ يقيّد به الأسير. محيط المحيط (قدد) .
(2) الإهاب: الجلد. محيط المحيط (أهب) .
(3) المتن: الظهر، وأبنته من متنه: فصلته، أي أخرجته. محيط المحيط (متن) و (بين) .
(4) فغر فمه: فتحه. لسان العرب (فغر) .
(5) الرّمس: القبر. لسان العرب (رمس) .
(6) دلف إليه: مشى مشيء المقيّد. محيط المحيط (دلف) .
(7) ديوان أبي فراس الحمداني (ص 164) .