سلامة صدر أحدهم إلّا على قدر بعد غوره [1] ؟ وهل غفلته إلّا في وزن صدق ظنّه، وهل ظنّه إلّا كيقين غيره؟
وقال عمر: إنك لا تنتفع بعقله حتى تنتفع بظنّه.
قال أوس بن حجر [2] : [المنسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ لك الظّ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا
وقال آخر: [المتقارب]
مليح نجيح أخو مازن ... فصيح يحدّث بالغائب
وقال بلعاء بن قيس [3] : [الطويل]
وأبغي صواب الرّأي أعلم أنّه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره [4]
بل قد علم الناس كيف جمالها وقوامها، وكيف نماؤها وبهاؤها، وكيف سروها [5]
ونجابتها، وكيف بيانها وجهارتها، وكيف تفكيرها وبداهتها، فالعرب كالبدن وقريش روحها، وقريش روح وبنو هاشم سرّها ولبّها، وموضع غاية الدين والدنيا منها، وبنو هاشم ملح الأرض، وزينة الدنيا، وحلى العالم، والسّنام الأضخم، والكاهل الأعظم، ولباب كلّ جوهر كريم، وسرّ كل عنصر شريف، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنّصاب [6] الوثيق، ومعدن الفهم، وبنبوع العلم، وثهلان [7] ذو الهضاب في الحلم، والسيف الحسام [8] في العزم، مع الأناة والحزم، والصفح عن الجرم، والقصد عند المعرفة، والعفو بعد المقدرة، وهم الأنف المقدّم، والسّنام الأكرم، وكالماء الذي لا ينجّسه شيء، وكالشمس التي لا تخفى بكل مكان، وكالذّهب لا يعرف بالنقصان، وكالنجم للحيران، والبارد للظمآن، ومنهم الثّقلان، والشهيدان، والأطيبان، والسّبطان،
(1) الغور: القعر من كل شيء وقوله: «على بعد غوره» أي إنه متعمّق النظر. لسان العرب (غور) .
(2) أوس بن حجر: شاعر تميم في الجاهلية، كان غزلا مغرما بالنساء. مات نحو 2ق. هـ. ترجمته في الأغاني (ج 11ص 73) ومعاهد التنصيص (ج 1ص 132) والأعلام (ج 2ص 31) .
(3) بلعاء بن قيس: شاعر محسن، رأس بني كنانة في أكثر حروبهم ومغازيهم، وكان كثير الغارات على العرب. ترجمته وبيته في المؤتلف والمختلف (ص 106) . وانظر أيضا معجم الشعراء (ص 357) .
(4) في المؤتلف والمختلف: «الظنّ» بدل «الرأي» .
(5) السّرو: الفضل والسخاء في المروّة. محيط المحيط (سرو) .
(6) النّصاب: الأصل. محيط المحيط (نصب) .
(7) ثهلان: جبل ضخم في بلاد بني نمير، به ماء ونخيل. معجم البلدان (ج 2ص 88) .
(8) السيف الحسام: القاطع. محيط المحيط (حسم) .