وأسد الله، وذو الجناحين، وذو قرنيها، وسيّد الوادي، وساقي الحجيج، وحليم البطحاء، والبحر، والحبر، والأنصار أنصارهم، والمهاجرون من هاجر إليهم أو معهم، والصّدّيق من صدقهم، والفاروق من فرّق بين الحقّ والباطل فيهم، والحواريّ حواريّهم، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم، ولا خير إلّا لهم أو فيهم أو معهم، أو يضاف إليهم، وكيف لا يكونون كذلك ومنهم رسول ربّ العالمين، وإمام الأولين والآخرين، ونجيب المرسلين، وخاتم النبيين، الذي لم يتمّ لنبي نبوّة إلّا بعد التصديق به، والبشارة بمجيئه، الذي عمّ برسالته ما بين الخافقين، وأظهره الله على الدين كلّه ولو كره المشركون؟ [1] .
قال الحسن بن علي، عليهما السلام، لحبيب بن مسلمة الفهري: ربّ مسير لك في غير طاعة الله! قال: أمّا مسيري إلى أبيك فليس من ذلك! قال: بلى! أطعت فلانا على دنيا يسيرة، ولعمري لئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، فلو أنك إذ فعلت شرّا قلت خيرا كنت كمن قال الله عزّ وجلّ: {خَلَطُوا عَمَلًا صََالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللََّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [2] ولكنك كما قال: {كَلََّا بَلْ رََانَ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ} [3] .
وكان الحسن عليه السلام جوادا، كريما، لا يردّ سائلا ولا يقطع نائلا، وأعطى شاعرا مالا كثيرا فقيل له: أتعطي شاعرا يعصي الرّحمن، [ويطيع الشيطان] ، ويقول البهتان؟ فقال: إنّ خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، وإنّ من ابتغاء الخير اتقاء الشرّ.
وقد روى مثل ذلك عن الحسين، رضي الله عنه، وقيل: إنّ شاعرا مدحه فأجزل ثوابه، فليم على ذلك، فقال: أتراني خفت أن يقول: لست ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا ابن علي بن أبي طالب! ولكني خفت أن يقول: لست كرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا كعليّ، رضي الله عنه فيصدّق، ويحمل عنه، ويبقى مخلّدا في الكتب، محفوظا على ألسنة الرّواة. فقال الشاعر: أنت والله يابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعرف بالمدح والذمّ مني.
ولما توفّي الحسن أدخله قبره الحسين ومحمد بن الحنفيّة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، ثم وقف محمد على قبره وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وقال: رحمك الله أبا محمد! فلئن عزّت حياتك، لقد هدّت وفاتك، ولنعم الرّوح، روح تضمّنه بدنك ولنعم
(1) أخذه من قول الله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} . سورة التوبة 9، الآية 33.
(2) سورة التوبة 9، الآية 102.
(3) سورة المطففين 83، الآية 14.