فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 993

الودود. ليلة قصّ جناحها، وضلّ صباحها. ليل ثابت الأطناب، طامي الغوارب، طامح الأمواج، وافي الذّوائب. ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخلّلها أنوار. بات بليلة نابغية، يراد قوله [1] : [الطويل]

فبتّ كأني ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع [2]

[يسهّد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع] [3]

بات في الصيف بليلة شتوية. سامرته الهموم، وعانقته الغموم، واكتحل السهاد، وافترش القتاد [4] ، فاكتحل بملمول السهر، وتململ على فراش الفكر. قد أقضّ مهاده، وقلق وساده. هموم تفرّق بين الجنب والمهاد، وتجمع بين العين والسّهاد. طرف برعي النجوم مطروف، وفراش بشعار الهمّ محفوف. كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب.

ولهم فيما يتصل بضدّ ذلك من ذكر [إقبال] الليل وانتشار الظلمة، وطلوع الكواكب: أقبلت عساكر الليل، وخفقت رايات الظلام. وقد أرخى الليل علينا سدوله، وسحب الظلام فينا ذيوله. توقّد الشفق في ثوب الغسق. أقبلت وفود النجوم [وجاءت مواكب الكواكب. تفتّحت أزاهير النجوم] ، وتورّدت حدائق الجوّ، وأذكى الفلك مصابيحه. قد طفت النجوم في بحر الدّجى، ولبس الظلام جلبابا من القار. ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى. ليلة كأنها في لباس بني العباس [5] ، ليلة كأنها في لباس الثكالى، وكأنها من الغبش في مواكب الحبش. ليلة قد حلك إهابها، فكأنّ البحر يهابها.

ولهم في ذكر النوم والنعاس: شرب كأس النعاس، وانتشى من خمر الكرى، قد عسكر النّعاس بطرفه، وخيّم بين عينيه. غرق في لجّة الكرى، وتمايل في سكرة النوم. قد كحل الليل الورى بالرقاد، وشامت الأعين أجفانها في الأغماد.

وفي انتصاف الليل وتناهيه، وانتشار النور، وأفول النجوم: قد اكتمل الظلام. قد انتصفنا عمر الليل، واستغرقنا شبابه. قد شاب رأس الليل، كاد ينمّ النسيم بالسّحر. قد

(1) ديوان النابغة الذبياني (ص 80) .

(2) الرّقش: جمع رقشاء وهي الحيّة المنقطة بسواد وبياض. محيط المحيط (رقش) .

(3) ليل التّمام: ليالي الشتاء الطويلة. السليم: اللديغ. القعاقع: جمع قعقعة وهي الصوت الداوي.

لسان العرب (تمم) و (سلم) و (قعقع) .

(4) القتاد، بزنة السحاب: الشوك. لسان العرب (قتد) .

(5) لباس بني العباس: اللباس الأسود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت