انكشف غطاء الليل. انهتك ستر الدّجى، وشمطت ذوائبه، وتقوّس ظهره، وتهدّم عمره.
قوّضت خيام الليل، وخلع الأفق ثوب الدّجى. أعرض الظلام وتولّى، [وتدلّى] عنقود الثريّا. طرز قميص الليل بغرّة الصبح، وباح الصبح بسرّه. خلع الليل ثيابه، وحدر الصبح نقابه. لاحت تباشير الصبح، وافترّ الفجر عن نواجذه، وضرب النور في الدّجى بعموده.
بثّ الصبح طلائعه. تبرقع الليل بغرّة الصبح. أطار بازي الصبح غراب الليل، وعزلت نوافج الليل بجامات الكافور، وانهزم جند الظلام عن عسكر النور. خلعنا خلعة الظّلام، ولبسنا رداء الصباح، وملأ الآذان برق الصباح، وسطع الضوء، وطلع النور، وأشرقت الدنيا، وأضاءت الآفاق. مالت الجوزاء للغروب، وولّت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم، وفرّت أسراب النجوم من حدق الأنام، ووهى نطاق الجوزاء، وانطفأ قنديل الثريّا. قال بعض الأعراب: خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض اكارعها، فمحت صورة الأبدان، فما كنّا نتعارف إلّا بالآذان.
قال ابن محكان السعدي: [الطويل]
وليل يقول الناس في ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
كأنّ لنا منه بيوتا حصينة ... مسوحا أعاليها وساجا ستورها [1]
وهذا بارع جدّا، أراد أنّ أعلاه أشدّ ظلاما من جوانبه.
وقال أعرابي في صفته: خرجت حين انحدرت النجوم، وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر.
ومن بديع الشعر في صفة الليل قول الأعرابي: [الكامل]
والليل يطرده النهار ولا ترى ... كالليل يطرده النهار طريدا
فتراه مثل البيت مال رواقه ... هتك المقوّض ستره الممدودا
ومن البديع: [الطويل]
على حين أثنى القوم خيرا على السّرى ... وطارت بأخرى الليل أجنحة الفجر
آخر: [الوافر]
وليل ذي غياطل مدلهم [2] ... رميت بنجمه عرض الأفول
(1) المسوح: جمع مسح وهو ثوب من شعر أسود يشبه ثوب الرهبان. الساج: خشب شجر ينبت بالهند، ولونه أسود. لسان العرب (مسح) و (سوج) .
(2) الغياطل: جمع غيطلة وهي التباس الظلام وتراكمه. لسان العرب (غطل) .