قال عيسى بن هشام: فقبضت من كيسي قبضة الليث وبعثتها إليه، وقلت زدنا سؤالا نزدك نوالا، فقال: ما عرض عرف العود، على أحرّ من نار الجود، ولا لقي وفد البرّ، بأحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفضل فليواس، فلا يذهب العرف بين الله والناس، وأما أنت فحقّق الله أملك، وجعل اليد العليا لك.
قال عيسى بن هشام: ففتحنا الباب، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فقلنا: يا أبا الفتح، شدّ ما بلغت بك الخصاصة، وهذا الزيّ خاصة! فتبسّم وأنشأ يقول: [مجزوء الخفيف]
لا يغرّنّك الذي ... أنا فيه من الطلب
أنا في بردة تشقّ ... لها بردة الطّرب
أنا لو شئت لاتّخذ ... ت شقاقا من الذهب
وكتب البديع إلى بعض إخوانه: غضب العاشق أقصر عمرا من أن ينتظر عذرا، وإن كان في الظاهر مهابة سيف، إنه في الباطن سحابة صيف، وقد رابني إعراضه صفحا، أفجدّا قصد أم مزحا، ولو التبس القلبان حقّ التباسهما ما وجد الشيطان بينهما مساغا، ولا والله لا أريك ردّا، أجد منه بدّا، وإن محبّة تحتمل شكّا لأجدر محبة، ألّا تشترى بحبّة، وإن كان قصد مزحا فما أغناها عن مزح يحلّ عقد الفؤاد [حتى نقف على المراد، ولا تسعنا إلّا العافية] والسلام.
وله إليه: المودّة أعزّك الله غيب، وهو في مكان من الصّدر، لا ينفذه بصر، ولا يدركه نظر، ولكنها تعرف ضرورة، وإن لم تظهر صورة، ويدركها الناس، وإن لم تدركها الحواسّ، ويستملي المرء صحيفتها من صدره، ويعلم حال غيره من نفسه، ويعلم أنها حبّ وراء القلب، وقلب وراء الخلب [1] ، وخلب وراء العظم، وعظم وراء اللحم، ولحم وراء الجلد، وجلد وراء البرد، وبرد [وراء البعد] . ولو كانت هذه الحجب قوارير لم ينفذها نظر، فيستدلّ عليها بغير هذه الحاسّة بدليل إلّا أن أزوره، والله لو التبست به التباسا، يجعل رأسينا رأسا، ما زدته ودّا، ولو حال بيني وبينه سور الأعراف، ورمل الأحقاف، ما نقصته حقا.
وقال الأمير أبو الفضل الميكالي: [الخفيف]
وغزال منحته ظهر الودّ ... فجازى بالصدّ والانتحاب
لم ألمه إن ردّني لحجاب ... ردّني واله الفؤاد لما بي
(1) الخلب، بكسر الخاء وسكون اللام: لحيمة رقيقة تصل بين الأضلاع. محيط المحيط (خلب) .