وكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهنّ، وكان مصعب بن الزبير قد جمع بينها وبين عائشة بنت طلحة بن عبيد الله فلّما قتل مصعب قالت سكينة: [الطويل]
فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذي ... يرى الموت إلّا بالسيوف حراما
وقبلك ما خاض الحسين منيّة ... إلى القوم حتى أوردوه حماما
وقال علي بن الحسين [1] رحمه الله: لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، وجملة الحال في فضل التبيين، لأعربوا عن كل ما يتلجلج في صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم، على أنّ إدراك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدّة، والفكرة القصيرة المدّة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن باب التثبّت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقال رضي الله عنه: المراء [2] يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون به المغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب القطيعة.
ومن دعائه: اللهمّ ارزقني خوف الوعيد، وسرور رجاء الموعود، حتى لا أرجو إلّا ما رجيت، ولا أخاف [إلّا] ما خوفت.
وحجّ هشام بن عبد الملك، أو الوليد أخوه، فطاف بالبيت وأراد استلام الحجر فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه فبينا هو كذلك إذ أقبل عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في إزار ورداء، وكان أحسن الناس وجها، وأعطرهم رائحة، وأكثرهم خشوعا، وبين عينيه سجّادة [3] ، كأنها ركبة عنز، وطاف بالبيت، وأتى ليستلم الحجر، فتنحّى له الناس هيبة وإجلالا، فغاظ ذلك هشاما فقال رجل من أهل الشام: من الّذي أكرمه الناس هذا الإكرام، وأعظموه هذا الإعظام؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يعظم في صدور أهل الشام فقال الفرزدق وكان حاضرا [4] : [البسيط]
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا النقيّ التقيّ الطاهر العلم [5]
(1) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب بزين العابدين، رابع الأئمة الاثني عشر، وأحد من كان يضرب به المثل في الحلم والورع. توفي سنة 94هـ. وفيات الأعيان (ج 3ص 266) والعبر في خبر من غبر (ج 1ص 111) والأعلام (ج 4ص 277) .
(2) المراء: النزاع والمجادلة. محيط المحيط (مرى) .
(3) السّجّادة: أثر السجود في الجبهة. محيط المحيط (سجد) .
(4) لم ترد الأبيات في ديوان الفرزدق، ووردت في وفيات الأعيان (ج 6ص 9695) .
(5) في وفيات الأعيان: «هذا التقيّ النقيّ» .