باعدة، ونكباء جاهدة وقد زاد سيدي في أمر المخاطبة، وما أحسن الاعتدال، وقد كفانا منه الأستاذ، وأسأله ألّا يزيد، وقد بدأ ويجب ألّا يعيد، فلا تنفع كثرة العدّ مع قلّة المعدود، والزيادة في الحدّ مع نقصان المحدود نقص من الحدود، وربّ ربح أدّى إلى خسران، وزيادة أفضت إلى نقصان، ورأي الشيخ في تشريفه بجوابه موفّق إن شاء الله تعالى.
اجتلب قوله في أول هذه الرسالة من قول أبي إسحاق الصابي في جواب كتاب لبعض إخوانه:
وصل كتابك مشحونا بلطيف برّك، موشّحا بغامر فضلك، ناطقا بصحّة عهدك، صادقا عن خلوص ودّك، وفهمته وشكرت الله تعالى على سلامتك شكر المخصوص بها، ووقفت على ما وصفته من الاعتداد بي، وتناهيت إليه من التقريظ لي، فما زدت على أن أعرتني خلالك، ونحلتني خصالك، لأنّك بالفضائل أولى، وهي بك أحرى، ولو كنت في نفسي ممن يشتمل على وصفه حدّي إذا حددت، أو يحيط بكماله وصفي إذا وصفت، لشرعت في بلوغها والقرب منها، لكن المادح لك مستنفد لك وسعه وقد بخسك، ومستغرق طوقه وقد نقصك، فأبلغ ما يأتي به المثني عليك، ويتوصّل إليه المطري لك، الوقوف في ذلك دون منتهاه، والإقرار بالعجز دون غايته ومداه.
ونقل البديع ما ذكره من ترك السفر والبغية بما حضر من قول ابن الرومي: [الطويل]
أما حقّ حامي عرض مثلك أن ترى ... له الرّفد والتّرفيه أوجب واجب
أقمت لكي تزداد نعماك نعمة ... وتغني بوجه ناضر غير شاحب
وكي لا يقول القائلون أثابه ... وعاقبه والقول جمّ المساغب
وليس عجيبا أن ينوب تكرّم ... عديت به من آمل لك عائب
ذمامي ترعى لا ذمام سفينة ... وحقّي لا حقّ القلاص النجائب [1]
ودخل على أبي العتاهية ابنه، وقد تصوّف، فقال: ألم أكن قد نهيتك عن هذا؟
فقال: وما عليك أن أتعوّد الخير، وأنشأ عليه فقال: يا بني، يحتاج المتصوف إلى رقّة حال، وحلاوة شمائل، ولطافة معنى، وأنت ثقيل الظلّ، مظلم الهواء، راكد النسيم، جامد العينين، فأقبل على سوقك فإنها أعود عليك، وكان بزّازا.
(1) الذّمام، بكسر الذال: الحقّ والحرمة. القلاص: جمع قلوص، والقلوص من الإبل: الشابة.
النجائب: جمع نجيب وهي الناقة الكريمة. محيط المحيط (ذمم) و (قلص) و (نجب) .