وإني أخوك الدائم الودّ لم أحل ... إذا ناب خطب أو نبا بك منزل
كأنك تشفي منك داء مساءتي ... وسخطي، وما في ريبتي ما تعجّل
وإن سؤتني يوما صبرت إلى غد ... ليعقب يوما آخر منك مقبل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أيّ كفّ تبدّل
وفي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي ... وبدّل سوءا بالذي كان يفعل
قلبت له ظهر المجنّ ولم أدم ... عليه العهد إلّا ريثما أتحوّل
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... عليّ بوجه آخر الدهر تقبل
ودخل عبد الله بن الزبير على معاوية بن أبي سفيان وأنشد شعر معن، فقال: لمن هذا؟ فقال: لي يا أمير المؤمنين، قال: لقد شعرت بعدي يا أبا بكر! ثم دخل عليه معن فأنشد الشعر بعينه، فقال: يا أبا بكر، ألم تقل إنه شعرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ظئري [1] فما كان له فهو لي. أراد معاتبة معاوية فعاتبه بشعر معن ليبلغ ما في نفسه، وليس ادّعاؤه له على حقيقة منه.
وقال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك، فاستدناني حتى كنت أقرب الناس إليه، ثم تنفّس الصعداء، وقال: يا خالد، ربّ خالد جلس مجلسك هو أشهى إليّ حديثا منك! فعلمت أنه أراد خالدا القسري، فقلت: أفلا تعيده يا أمير المؤمنين؟
فقال: هيهات؟ إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف [2] ، ولم يدع لراجع مرجعا. وتمثلّ بهذا البيت: [الطويل]
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... عليه بوجه آخر الدهر تقبل
وروى أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان عبد الملك بن مروان في سمره مع أهل بيته وولده وخاصّته، فقال لهم: ليقل كلّ واحد منكم أحسن ما قيل من الشعر، وليفضّل [من] رأى تفضيله، فأنشدوا وفضّلوا. فقال بعضهم: [امرؤ القيس، وقال بعضهم] :
النابغة، وقال بعضهم: الأعشى، فلمّا فرغوا قال: أشعر الناس والله من هؤلاء الذي يقول،
(1) ظئر الرجل: ولده من الرضاع. لسان العرب (ظار) .
(2) يقال: أوجف الفرس والبعير: جعله يجف، أي يعدو ويسير العنق. ويقال: أعجف دابّته: هزلها.
محيط المحيط (وجف) و (عجف) .