فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 993

وكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري:

وصل كتابك فصادفني قريب عهد بانطلاق، من عنت الفراق، وأوقفني مستريح الأعضاء والجوانح من حرّ الاشتياق، فإنّ الدهر جرى على حكمه المألوف في تحويل الأحوال، ومضى على رسمه المعروف في تبديل الأبدال، وأعتقني من مخالّتك عتقا لا تستحقّ به ولاء، وأبرأني من عهدتك براءة لا تستوجب معها دركا ولا استثناء، ونزع من عنقي ربقة الذلّ في إخائك بيدي جفائك، ورشّ على ما كان يحتدم في ضميري من نيران الشوق ماء السلوّ، وشنّ على ما كان يلتهب في صدري من الوجد ماء اليأس، ومسح أعشار قلبي فلأم فطورها [1] بجميل الصبر، وشعب أفلاذ كبدي فلاحم صدوعها بحسن العزاء، وتغلغل في مسالك أنفاسي فعوض نفسي من النزاع إليك نزوعا عنك [2] ، ومن الذهاب فيك رجوعا دونك، وكشف عن عيني ضبابات ما ألقاه الهوى على بصري، ورفع عنها غيابات ما سدله الشكّ دون نظري، حتى حدر النقاب عن صفحات شيمك، وسفر عن وجوه خليقتك فلم أجد إلّا منكرا، ولم ألق إلّا مستكبرا، فوليت منها فرارا، وملئت رعبا، فاذهب فقد ألقيت حبلك على غاربك، ورددت إليك ذميما عهدك.

وفي فصل من هذه الرسالة: وأمّا عذرك الذي رمت بسطه فانقبض، وحاولت تمهيده وتقريره فاستوفز [3] وأعرض، ورفعت بضبعه [4] فانخفض، فقد ورد ولقيته بوجه يؤثر قبوله على ردّه، وتزكيته على جرحه، فلم يف بما بذلته لك من نفسه، ولم يقم عند ظنّك به، أنّى وقد غطّى التذمّم وجهه، ولفّ الحياء رأسه، وغضّ الخجل طرفه فلم تتمكن من استكشافه، وولّى فلم تقدر على إيقافه، ومضى يعثر في فضول ما يغشاه من كرب حتى سقط، فقلنا: لليد والفم. ثم أمر بمطالعة ما صحبه فلم أجده إلّا تأبّط شرّا، أو تحمّل وزرا.

وقوله هذا محلول من عقد نظمه إذ يقول: [الكامل]

اقر السلام على الأمير وقل له ... قدك اتّئب أربيت في الغلواء [5]

أنت الذي شتّتّ شمل مسرّتي ... وقدحت نار الشوق في أحشائي

ورضيت بالثمن اليسير معوضة ... مني، فهلّا بعتني بغلاء

(1) لأم الفطور: أصلحها وجمعها، والفطور: جمع فطر وهو الشّقّ. محيط المحيط (لأم) و (فطر) .

(2) النزاع إليك: الشوق إليك، والنزوع عنك: الانصراف عنك. محيط المحيط (نزع) .

(3) استوفز: قعد منتصبا غير مطمئنّ. محيط المحيط (وفز) .

(4) الضّبع: العضد كلّها. محيط المحيط (ضبع) .

(5) الغلواء: الغلوّ. محيط المحيط (غلا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت