يردّ منها شيء عن مداه، ولا يصدّ عن مطلبه ومنحاه فهي كالسهام التي تثبت في الأغراض، ولا ترجع بالاعتراض ومن عرف ذلك معرفة الرئيس لم يغضّ من الزيادة، ولم يقنط من النقيصة، وأمن أن يستخفّ أحد الطرفين حلمه، ويستنزل أحد الأمرين حزمه، ولم يدع أن يوطّن نفسه على النازلة قبل نزولها، ويأخذ الأهبة للحادثة قبل حلولها، وأن يجاور الخير بالشكر، ويساور المحنة بالصبر، فيتخيّر فائدة الأولى عاجلا، ويستمرىء عائدة الأخرى آجلا.
وقد نفذ من قضاء الله تعالى في المولى الجليل قدرا، الحديث سنّا، ما أرمض، وأومض، وأقلق وأقضّ ومسني من التألم له ما يحقّ على مثلي ممن توافت أيادي الرئيس إليه، ووجبت مشاركته في الملمّ عليه، ف {إِنََّا لِلََّهِ وَإِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ} [1] وعند الله نحتسبه غصنا ذوى، وشهابا خبا، وفرعا دلّ على أصله، وخطّيا أنبته وشيجه وإياه أسأل أن يجعله للرئيس فرطا صالحا، وذخرا عتيدا، وأن ينفعه يوم الدين، حيث لا ينفع إلّا مثله بين البنين، بجوده ومجده.
ولئن كان المصاب عظيما، والحادث فيه جسيما، لقد أحسن الله إليه، وإلى الرئيس فيه أمّا إليه فإن الله نزّهه بالاخترام [2] ، عن اقتراف الآثام، وصانه بالاحتضار، عن ملابسة الأوزار، فورد دنياه رشيدا، وصدر عنها سعيدا، نقّي الصحيفة من سواد الذنوب، بريّ الساحة من درن العيوب، لم تدنّسه الجرائر [3] ، ولم تعلق به الصغائر والكبائر، قد رفع الله عنه دقيق الحساب، وأسهم له الثواب مع أهل الصواب، وألحقه بالصدّيقين الفاضلين في المعاد، وبوّأه حيث أفضلهم من غير سعي ولا اجتهاد.
وأما الرئيس، فإن الله، عزّ وجلّ، لما اختار ذلك له قبضه قبل رؤيته إياه على الحالة التي تكون معها الرقة، ومعاينته التي تتضاعف معها الحرقة، وحماه من فتنة المرافقة، ليرفعه عن جزع المفارقة، [وكان هو المبقّي] في دنياه، وهو الواحد الماضي الذخيرة لأخراه، وقد قيل: إن تسلم الجلّة فالسّخل هدر [4] وعزيز عليّ أن أقول قول المهوّن للأمر من بعده، وألّا أوفي التوجّع عليه واجب فقده، فهو له سلالة، ومنه بضعة، ولكن ذلك طريق التسلية، وسبيل التعزية، والمنهج المسلوك في مخاطبة مثله، ممن يقبل منفعة
(1) سورة البقرة 2، الآية 156.
(2) الاخترام: الموت. محيط المحيط (خرم) .
(3) الجرائر: جمع جريرة وهي الذنب والجناية. محيط المحيط (جرر) .
(4) الجلّة، بكسر الجيم وتشديد اللام: المسانّ من الإبل للواحد والجمع والذكر والأنثى. السّخل:
جمع سخلة وهي ولد الشاة. محيط المحيط (جلل) و (سخل) .