الذكرى وإن أغناه الاستبصار، ولا يأبى ورود الموعظة، وإن كفاه الاعتبار، والله تعالى يقي الرئيس المصاب، ويعيذه من النوائب، ويرعاه بعينه التي لا تنام، ويجعله في حماه الذي لا يرام، ويبقيه موفورا غير منتقص، ويقدّمنا إلى السوء أمامه، وإلى المحذور قدّامه، ويبدأ بي من بينهم في هذه الدعوة، إذ كنت أراها من أسعد أحوالي، وأعدّها من أبلغ أمانيّ وآمالي.
وكتب إلى بعض الرؤساء:
قد جرت العادة أطال الله بقاء الأمير! بالتمهيد للحاجة قبل موردها، وإسلاف الظنون الداعية إلى نجاحها، وسالك هذه السبيل يسيء الظنّ بالمسؤول فهو لا يلتمس فضله إلّا جزاء، ولا يستدعي طوله إلّا قضاء والأمير بكرمه الغريب، ومذهبه البديع، يؤثر أن يكون السلف له، والابتداء منه، ويوجب للمهاجم برغبته عليه حقّ الثقة به منه، والحمد لله الذي أفرده بالطرائق الشريفة، وتوحّده بالخلائق المنيفة، وجعله عين زمانه البصيرة، ولمعته الثاقبة المنيرة.
وكتب البديع في بابه إلى بعض أصحابه:
لك، أعزّك الله، عادة فضل، في كل فصل، ولنا شبه مقت، في كل وقت ولعمري إن ذا الحاجة مقيت الطّلعة، ثقيل الوطأة، ولكن ليسوا سواء أولو حاجة تحتاج إليهم الأموال، وأولو حاجة تحوجهم الآمال.
والأمير أبو تمام عبد السلام بن الفضل المطيع لله أمير المؤمنين أيده الله إن أحوجه الزمان فطالما خدمه، وإن أهانه فكثيرا ما أكرمه ونعّمه. وقديما أقلّه السرير، وعرفه الخورنق والسدير [1] . وإن نقصه المال فالعرض وافر، وإن جفاه الملك فالفضل ظاهر، وإن ابتلاه الله فليبتليكم به فينظر كيف تفعلون. وأنت تقابل مورده عليك من الإعظام، بما يستحقّ من الإكرام، فلا تنظرن إلى ثوب بال، فتحته شرف عال، ولا تقس على البرد، ما وراءه من المجد، ولكن إن نظرت ففي شامخ أصله، وراسخ عقله، وشهادة الفراسة له. ثم ليأت بعد هذه الآيات ما هو قضية المروءة معه، والأخوة معي، بالغا في ذلك غاية جهده، والسّيف لا يرى في غمده، والحمد لله حق حمده.
وله إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن حمزة:
(1) الخورنق: قصر بظهر الحيرة. معجم البلدان (ج 2ص 401) . والسّدير: قصر قريب من الخورنق.
معجم البلدان (ج 3ص 201) .