فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 993

فضله، لا جرم أنه وصل إلى الصميم، من الإيجاب الكريم، وهو الآن مقيم بين روح وريحان وجنّة نعيم، تحيّته فيها سلام، وآخر دعواه ذكرك وحسن الثناء عليك بما أنت أهله، وأنا أصدق دعواه، وأفتخر به افتخار الخصيّ بمتاع مولاه، وقد عرفته ولسنه، وكيف يجرّ في البلاغة رسنه، فما ظنّك به، وقد ملكتها المجالس ولحظتها العيون، وسلّ صارما من فيه، يعيد شكرك ويبديه، وينشر ذكرك ويطويه والجماعة تمدح لمدحه، وتجرح بجرحه، فرأيك في تحفظ أخلاقك التي أثمرت هذا الشكر، وأنتجت هذه المآثر الغرّ، موفقا إن شاء الله تعالى.

ومن إنشائه في مقامات الإسكندري، قال:

حدّثنا عيسى بن هشام، قال: لما نطّقني الغنى بفاضل ذيله، اتّهمت بمال سلبته، أو كنز أصبته، فخفرني الليل، وسرت بي الخيل. وسلكت في هربي مسالك لم يرضها السير، ولا اهتدت إليها الطير، حتى طويت أرض الرّعب وتجاوزت حدّه، وصرت إلى حمى الأمن ووجدت برده، وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل، وأكلّتها المراحل، ولما بلغتها: [الطويل]

نزلنا على أن المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا شهرا

فبينا أنا يوما في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها [1] ، وعصا قد اعتمدها، ودنيّة قد تقلّسها، وفوطة قد تطيلسها فرفع عقيرته وقال: اللهمّ يا مبدىء الأشياء ومعيدها، ومحيي العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع علينا، وبارىء النّسم أزواجا، وجاعل الشمس سراجا، والسماء سقفا، والأرض فراشا، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا، ومنشىء السحاب ثقالا، ومرسل الصواعق نكالا، وعالم ما فوق النجوم، وما تحت التخوم [2] . أسألك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين، وأن تعينني على الغربة أثني حبلها، وعلى العسرة أعدو ظلّها، وأن تسهّل لي على يدي من فطرته الفطرة، وأطلعته الطّهرة، وسعد بالدّين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوي هذا الطريق، وزادا يسعني والرفيق.

قال عيسى بن هشام: فناجيت نفسي بأنّ هذا الرجل أفصح من إسكندريّنا أبي

(1) الرّكوة، بفتح الراء وضمها: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء. اعتضدها: جعلها في عضده.

لسان العرب (ركا) و (عضد) .

(2) التّخوم: الحدود، مفردها تخم. لسان العرب (تخم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت