وإليه أشار أبو تمام الطائي في قوله [1] : [الخفيف]
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثّرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
وفي هذه القصيدة في وصف الدّيمة، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات [2] :
لذّ شؤبوبها وطاب فلو تس ... طيع قامت فعانقتها القلوب [3]
فهو ماء يجري وماء يليه ... وعزال تنشا وأخرى تصوب [4]
أيّها الغيث حيّ أهلا بمغدا ... ك وعند السّرى وحين تؤوب
لأبي جعفر خلائق تحكي ... هنّ قد يشبه النجيب النجيب
وأنشدها أبا جعفر بن الزيات، فقال: يا أبا تمام والله إنك لتحلّي شعرك من جواهر لفظك وبدائع معانيك، ما يزيد حسنا على بهيّ الجواهر في أجياد الكواعب وما يدّخر لك شيء من جزيل المكافأة إلّا يقصر عن شعرك في الموازنة. وكان بحضرته رجل من الفلاسفة، فقال: هذا الفتى يموت شابا! فقيل له: من أين حكمت عليه بهذا؟ فقال: رأيت فيه من الحدّة والذكاء والفطنة مع لطافة الحسّ ما علمت به أنّ النفس الروحانية تأكل عمره كما يأكل السيف المهنّد غمده! قال الصولي: مات وقد نيّف على الثلاثين.
وقال في أبي دلف العجلي القاسم بن محمد بن عيسى [5] : [الطويل]
تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنعمة طالب
(1) ديوان أبي تمام (ص 55) .
(2) محمد بن عبد الملك الزيات: من بلغاء الكتّاب والشعراء، وزر للمعتصم وابنه الواثق العباسيين.
مات ببغداد سنة 233هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 5ص 94) والوافي بالوفيات (ج 4 ص 32) والأغاني (ج 23ص 51) وتاريخ بغداد (ج 2ص 342) ومعجم الشعراء (ص 425) وعيون الأنباء (ص 284) والأعلام (ج 6ص 248) .
(3) الشؤبوب: الدفعة من المطر. لسان العرب (شأب) .
(4) في الديوان: «فهي ماء وأخرى تذوب» . والعزالي: جمع عزلاء وهي مصبّ الماء، والمراد هنا السحابة. لسان العرب (عزل) .
(5) القاسم بن عيسى: أمير الكرخ وأحد الأمراء الشجعان الشعراء. توفي ببغداد سنة 226هـ. ترجمته في تاريخ بغداد (ج 12ص 416) ومعجم الشعراء (ص 334) والأغاني (ج 8ص 256) ووفيات الأعيان (ج 4ص 73) والفهرست (ص 30) ومروج الذهب (ج 2ص 38) و (ج 3ص 418) والكامل في التاريخ (ج 6ص 413) والأعلام (ج 5ص 179) . والبيتان في ديوان أبي تمام (ص 4241) .