يذهب لمعنى فيعنّ له آخر فيأتي به، كأنه على غير قصد، وعليه بناه، وإليه كان معزاه [1] ، وقد أكثر المحدثون منه فأحسنوا في ذلك.
قال الأصمعي: كنت عند الرشيد فدخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فقال:
أنشدني من شعرك، فأنشده [2] : [الطويل]
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
أرى الناس خلّان الجواد، ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئا أن يكون منيل [3]
فعالي فعال المكثرين تجمّلا ... ومالي كما قد تعلمين قليل [4]
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل؟
فقال الرشيد: يا فضل أعطه عشرين ألف درهم. ثم قال: لله أبيات تأتينا بها يا إسحاق ما أتّقن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها! فقال: والله يا أمير المؤمنين، لا قبلت منها درهما واحدا. قال: ولم؟ قال: لأنّ كلامك، والله، خير من شعري. فقال:
يا فضل ادفع إليه أربعين ألفا. قال الأصمعي: فعلمت أنه أصيد لدراهم الملوك مني.
ومن ذلك [5] قول أبي تمام يصف فرسا [6] : [البسيط]
وسابح هطل التّعداء هتّان ... على الجراء أمين غير خوّان [7]
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخلّ عينيك في ريّان ظمآن
فلو تراه مشيحا والحصى زيم ... بين السنابك من مثنى ووحدان [8]
أيقنت إن لم تثبّت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
وقد احتذى البحتري هذا الحذو في حمدويه الأحول، وكان حمدويه هذا عدوا للممدوح، فقال [9] : [الكامل]
وأغرّ في الزمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل
(1) معزاه: منتسبه يقال: عزا فلان إلى فلان إذا انتسب إليه. محيط المحيط (عزا) .
(2) الأبيات في وفيات الأعيان (ج 1ص 204203) .
(3) في وفيات الأعيان: «ينيل» بدل «منيل» .
(4) رواية صدر البيت في وفيات الأعيان هي: عطائي عطاء المكثرين تكرّما.
(5) قوله: «ومن ذلك» أي من «الاستطراد» وهو العنوان الذي مرّ في الصفحة السابقة.
(6) لم ترد الأبيات في ديوان أبي تمام.
(7) الجراء، بكسر الجيم: العدو. محيط المحيط (جرا) .
(8) الزّيم: جمع زيمة وهي القطعة من اللحم. محيط المحيط (زيم) .
(9) ديوان البحتري (ج 2ص 317316) .