كالهيكل المبنيّ إلّا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل
ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحبّ إلى الحبيب المقبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول
وفي قصيدته هذه يحكى أن البحتري قال له أصحابه: إنك ستعاب بهذا البيت لأنك سرقته من أبي تمام، قال: أعاب من أخذي من أبي تمام؟! والله ما قلت شعرا قط إلّا بعد أن أحضرت شعره في فكري، قال: وأسقط البيت بعد، فلا يوجد في أكثر النسخ.
وهذا معنى قد أعجب المحدثين، وتخيّلوا أنهم لم يسبقوا إليه، وقد تقدّم لمن قبلهم، قال الفرزدق [1] : [الطويل]
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا جلسوا أفواه بكر بن وائل [2]
قال الحاتمي: وأتى جرير بهذا النوع فحثا [3] في وجه السابق إلى هذا المعنى فضلا عمن تلاه فإنه استطرد في بيت واحد، فهجا فيه ثلاثة، فقال: [الكامل]
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل [4]
وقيل هذا البيت مما يردّ على الحاتمي، وهو قوله: [الكامل]
أعددت للشعراء كأسا مرّة ... فسقيت آخرهم بكأس الأول
قال أبو إسحاق: وأوّل من ابتكره السموأل بن عادياء اليهودي، وكل أحد تابع له فقال [5] : [الطويل]
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول [6]
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
(1) لم يرد البيت في ديوان الفرزدق.
(2) الفقاح: جمع فقحة وهي حلقة الدبر. محيط المحيط (فقح) .
(3) يقال: حثا التراب عليه وفي وجهه يحثوه إذا رماه أو صبّه. محيط المحيط (حثا) .
(4) الميسم: المكواة يوسم به الحيوان ويعلم. محيط المحيط (وسم) . والبعيث: هو خداش بن بشر قال الشعر بعدما أسنّ وكبر، وكان أخطب بني تميم، وكان يهاجي جريرا. توفي سنة 134هـ.
ترجمته في الشعر والشعراء (ص 405) ، والمؤتلف والمختلف (ص 56) ، وطبقات الشعراء لابن سلام (ص 165) ، والأعلام (ج 2ص 302) .
(5) ديوان السموأل (ص 91) .
(6) في الديوان: «لقوم» بدل «أناس» .