وأما وحشتك أعزّك الله للحادث على الماضي، عفا الله عنه، فمثلك من ذوي الصفاء والوفاء اختصّ بذلك واهتمّ له، وعرف مثله فاغتمّ به فإن الطاعة نسب بين أوليائها، والنعمة سبب بين أبنائها، فلا عجب أن يمسك في هذا العارض ما يمسّ أولى المشاركة، ويخصّك من الاهتمام ما خصّ ذوي المشابكة.
وله إليه أيضا في أمر غزاة: ورد خبرك، أكرمك الله تعالى، بنفوذك لوجهك فيمن جمعهم الله تعالى للسّعي في سبيله إلى جملتك فأمّلنا أن يكون ذلك موصولا بأعظم الخيرة، مؤدّيا إلى أحسن المغبّة، إلّا أنّا أحسسنا من الغزاة الذين بهم تعتضد، وإياهم تستنجد، فتور نيّات، وفساد طويّات وهذا كما علمت باب عظيم يجب الاطلاع بالفكر والرأي عليه، والاحتراس بالجدّ والجهد من الخطل فيه. [فسبيلك أن تتأمّل أمرك بعين استقصاء العورة، واستدراك الآخرة] ، فإن أنت وجدت في عدتك تمام القدرة، وفي عدّتك مقدار الكفاية، ولم تجد نيّات أولئك الغزاة مدخولة، ولا عراهم [1] محلولة، استخرت الله تعالى في المسير بكلّ ما تقدر عليه من الحزم في أمرك، ثم إن تكن الأخرى، وكان القوم على ما ذكرت من كلال البصائر، وضعف المرائر [2] ، عملت على التلوّم لحديث يحدّثك به كتابنا هذا إن اجتليت ما ذكرته، وإن لم تبلغ بلاغة ما اخترته، فاعتلق بذيله.
وهذه المقامة من إنشاء البديع، قال عيسى بن هشام: غزوت الثغر بقزوين سنة خمس وسبعين، فما اجتزنا حزنا، إلّا هبطنا بطنا، حتى وقف بنا المسير على بعض قراها، فمالت الهاجرة بنا إلى ظلّ أثلاث [3] في حجرها عين كلسان الشمعة، أصفى من الدمعة، تسيح في الرّضراض، سيح النّضناض [4] فنلنا من المأكل ما نلنا، ثم ملنا إلى الظلّ فقلنا فما ملكنا النوم حتى سمعنا صوتا أنكر من صوت الحمار، ورجعا أضعف من رجع الحوار [5] ، يشفعهما صوت طبل كأنه خارج من ماضغي أسد فذاد عن [6] القوم رائد
(1) العرى: جمع عروة، والعروة من الثوب: أخت زرّه. محيط المحيط (عرا) .
(2) المرائر: جمع المريرة وهي العزيمة. محيط المحيط (مرر) .
(3) الأثلاث: جمع أثلة وهي شجرة عظيمة. محيط المحيط (أثل) .
(4) الرّضراض: الحصى. النّضناض: الحيّة التي لا تستقرّ في مكان، أو التي أخرجت لسانها تنضنضه أي تحرّكه. محيط المحيط (رضرض) و (نضنض) .
(5) الحوار، بضمّ الحاء: ولد الناقة ساعة تضعه. محيط المحيط (حور) .
(6) ذاد عنهم النوم: طرده. محيط المحيط (ذود) .