قاطعة حجّته، سامية درجته، ساطع صباحه، متوقّد مصباحه، مظفرة حروبه، ميسّرة خطوبه، قد أفرد بالزعامة وحده، وختم بأن لا نبيّ بعده. يفصح بشعاره على المنابر، وبالصلاة عليه في المحاضر، وتعمر بذكره صدور المساجد، وتستوي في الانقياد له حالة المقرّ والجاحد. آخر الأنبياء في الدنيا عمرا، وأولهم يوم القيامة ذكرا، وأرجحهم عند الله ميزانا، وأوضحهم حجّة وبرهانا. صدع بالرسالة، وبلغ بالدلالة، ونقل الناس عن طاعة الشيطان الرجيم. أرسله الله قمرا للإسلام منيرا، وقدرا على أهل الضلال مبيرا. صلى الله عليه وسلم. خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات. خير مبعوث، وأفضل وارث وموروث. وخير مولود، دعا إلى خير معبود. صلّى الله على كاشف الغمّة عن الأمّة. الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحقّ، الداعي إلى الصدق، الذي ملك هوادي الهدى، ودلّ على ما هو خير وأبقى. صلّى الله عليه بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب. صلّى الله على أتمّ بريّته خيرا وفضلا، وأطيبهم فرعا وأصلا، وأكرمهم عودا ونجارا، وأعلاهم منصبا وفخارا، وعلى أهله الذين عظّمهم توقيرا، وطهّرهم تطهيرا هم مقاليد السعادة ومفاتيحها، ومعارج البركة ومصابيحها. أعلام الإسلام وأيمان الإيمان.
الطيبون الأخيار، الطاهرون الأبرار. الذين أذهب عنهم الأرجاس، وجعل مودتهم واجبة على الناس. هم حبل الهدى وشجرة الإيمان، أصلها نبوّة، وفرعها مروّة، وأغصانها تنزيل، ورقاتها تأويل، وخدمها ميكال وجبريل.
ولبديع الزمان إلى بعض الأشراف في درج كلام تقدّم:
إن جعلنا نعدّ فخاركم، ونحدّ آثاركم، نفد الحصى قبل نفودها، وفنيت الخواطر، قبل أن تفنى المآثر، ولم لا؟ وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته [1] ، أو العلم فأنتم عاقدو إزرته. أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم لابسو جلدته، أو التواضع صبرتم لشدّته، أو الرأي صلتم بحدّته، وإنّ بيتا تولّى الله عزّ وجلّ بناءه، ومهّد الرسول عليه السلام فناءه، وأقام الوصيّ رضوان الله عليه عماده، وخدم جبريل عليه السلام أهله، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير.
وذكر النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أعرابيّ فقال: بأبي وأمي رسول ربّ العالمين، ختمت به الدنيا، وفتحت به الآخرة، صلى الله عليه وسلم، به يبدأ الذكر الجميل ويختم.
إلى [2] هذا المكان أمسكت العنان. والإطناب في هذا الكتاب يعظم ويتّسع، بل
(1) أنتم بنو بجدته: أي أنتم العالمون بالشيء. محيط المحيط (بجد) .
(2) من هنا حتى «أمر الدنيا والدين» في الذخيرة لابن بسام (ق 4ص 588) ببعض الاختلاف عمّا هنا.