يتّصل ولا ينقطع إذ كان غرضي فيه أن ألمح المعنى من معانيه، ثم أنجرّ معه حيث انجرّ، وأمرّ فيه كيف مرّ، وآخذ في معنى آخر غير موصول بشكله، ولا مقرون بمثله، وقد أخلّ نظاما، وأفرد تؤاما، نشرا لبساط الانبساط، ورغبة في استدعاء النشاط. وهذا التصنيف لا تدرك غايته، ولا تبلغ نهايته إذ المعاني غير محصورة بعدد، ولا مقصورة إلى أمد. وقد أبرزت في الصدر، صفحة العذر، يجول فرندها، ويثقب زندها، وذلك أني ما ادّعيت فيما أتيت إلّا ما [لا] يكون ما تركته أفضل ممّا أدركته، وأني لم أسلك مذهبا مخترعا لم أسبق إليه، ولا قصدت غرضا مبتدعا لم أغلب عليه، ومن ركب مطيّة الاعتذار، واجتنب خطيّة الإصرار، فقد خرج من تبعة التقصير، وبرىء من عهدة المعاذير.
وأمّا بعد، فإن أحقّ من احتكم إليه واقتصر عليه الاعتراف بفضل الإنصاف، وليعلم من ينصف أنّ الاختيار ليس يعلم ضرورة، ولا يوقف له على صورة، فيكثر الإغماض، ويقلّ الاعتراض، ويعلم أنّ ما لا يقع بهواه، قد يختاره سواه، وكلّ يعمل اقتداره، ويحسن اختياره، فلو وقع الاجتماع على ما يرضي ويسخط، ويثبت ويسقط، لارتفع حجاج المختلفين، في أمر الدنيا والدين.
وقال المتنبي [1] : [البسيط]
تخالف الناس حتى لا اتّفاق لهم ... إلّا على شجب والخلف في الشّجب
فقيل: تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل: تشرك جسم المرء في العطب
الشجب: الموت، وهي لفظة معروفة، وإن كانت غير مألوفة عند أهل النقد. وقد أنكرها البحتري على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في مجاذبته إياه حيث يقول [2] :
[الخفيف]
ولو انّ الحكيم وازن في ال ... لفظ واختار لم يقل شجبه [3]
وكان أبو الطيب نظر إلى ما رواه أبو ظبيان، قال: اجتمع نفر من أهل الكلام على رجل من الملحدين، فجعلوا لا يأتون بمسألة إلّا سألهم الدليل عليهم، وناقضهم فيها، فأعياهم كثرة ما يقول ويقولون، فقال بعضهم: أمّا بعد، فإن الموت لا شكّ فيه، فقال الملحد: ما رأيت خاطبا وواعظا وشاهدا لا يردّ أوجز منه، وقلّما ترى معنى إلّا وهو يدافع أو يناقض، ويحار به عن سواء المحجّة. وقيل: من طلب عيبا وجده. قال أبو عمرو بن
(1) ديوان المتنبي (ص 465) .
(2) ديوان البحتري (ج 1ص 196) .
(3) في الديوان: «لو انّ ذاك الشريف وازن بين اللفظ» .