معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 103
و قال: أخبرني من نثق به أيضا أنّه سمع من القاري الفقيه أبي عبد اللّه محمد يزيد قال: كنت وأنا صغير، وعمري نحو الثمانية أعوام وعيناي ليس بهما عاهة، فلقيني الشيخ ذات يوم بحومة الخضراوين، فمسكني من إحدى يدي وذهب بي إلى الطاحونة التي تجاه داره بالفارينة، وأخذ غماض الزائلة التي تطحن بها، وجعلها على عيني فمرضت بهما وقمت لا أبصر بهما شيئا، وحدّثني بعض الثّقات: أنّه كان وقع قحط بالقيروان في بعض الأعوام، فاجتمعت جماعة وذهبوا إليه وطلبوا منه أن يدعو اللّه تعالى بنزول المطر، فحلّت به حالة قوية وقال لهم: ثم أناس يقولون:
صب يا مطر؟ فإنها تصب بإذن اللّه تعالى قوموا عني، قال: فأقبلت سحابة في الحين، وأبرقت، وأرعدت، فما خرجوا من عنده إلّا وهم يخوضون في الماء لنصف السّاق.
قال: وأخبرني من نثق به أيضا، أنّ قريبه أبا مروان عبد الملك العواني كان وقع له مرض بعينيه حتى صار لا يبصر بهما شيئا، فذهب له يوما ويده على كتف ابنه يقوده، فبلغ إليه فوجده بداره فطلب منه أن يدعو اللّه له بشفاء عينه فقال له الشيخ: الدّنيا بيع، وشراء. اشتر مني عيني؟ فقال له: قل ما تريد، فقال له الشيخ: أبيع لك عيني بمائة ريال فقال له: قبلت، وأرسل له ابنه إلى داره ليأتيه بالدراهم، فذهب ابنه وأتاه بها فلما أراد أن يدفعها له قال الشيخ:
أقلني يا إنسان فقال له: وحق جدي صلّى اللّه عليه وسلم لا أقيلك خذ هذه دراهمك فقبضها منه وأصبح الشيخ من الغد مكفوف البصر، وأصبح أبو مروان عبد الملك المذكور يبصر بعينيه كالعادة.
قال: وأخبرني بعض الثّقات، أنّ رجلا من أهل القيروان كان لا يولد له، فقصد الشيخ بنية طلب الأولاد، فوجده بسقيفة داره، فجلس ولم يتكلم، فالتفت إليه الشيخ وقال: يا إنسان، واللّه طلبته مني إليه فقال لي: سبق في علمي أني لا ارزقه الولد، وبقي ذلك الرجل إلى أن مات الرجل، ولم يولد له شي ء.
قلت: وأخبرني ثقة أنه قال لي: بينما الشيخ في القهوة التي تجاه الشيخ السقني فمدّ رجله والتفت للناس وقال لهم: وجدّي (1) ما وجدت فضاء في ملك
(1) وجدّي: قسم يراد به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم. والصواب من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت.