فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 209
كذا (1) فكنت أختلف إلى داره طمعا أن أصل إليه، فلم أقدر على ذلك، فجلست يوما على بابه وأنا متفكّر (2) في غربتي وما حرمته (3) من السماع منه إلى أن فتح الباب فإذا بجارية (4) فقالت: ما بالك على بابنا؟ فقلت: «أنا رجل غريب» وأعلمتها بخبري فقالت: وأين بلادك؟ فقلت: إفريقية، فانشرحت إليّ وقالت: أ تعرف القيروان؟ فقلت: من أهل القيروان أنا، فقالت: لعلك تعرف دار ابن فروخ؟
فتأملتني ثم قالت: عبد اللّه؟ قلت: نعم، فإذا هي جارية كانت [لي وهي صغيرة] (5) فصارت إلى الأعمش فقالت له: إن مولاي الّذي كنت أخبرك خبره بالباب فأمرها بإدخالي وأسكنني في بيت قبالته فكنت أسمع منه وحدي وقد حرم سائر النّاس إلى أن قضيت أربي منه (6) . وفي هذه السفرة قعد مع أبي حنيفة وقرأ عليه.
ذكر هروبه من القضاء رحمه اللّه تعالى:
قال: عرض عليه روح (7) بن حاتم القضاء فأبى فأمر أن يربط ويصعد به على سقف الجامع فإن هو قبل وإلا طرح من أعلاه فلمّا صعد به قيل له أتقبل القضاء؟
قال: لا، فأخذ ليطرح، فلما رأى العزيمة عليه قال: قد قبلت، فجلس للناس ومعه حرس فلما قعد في الجامع تقدّم إليه خصمان فلمّا صارا إليه نظر إليهما وبكى وطال بكاؤه ثم رفع رأسه فقال لهما: سألتكما باللّه إلا أعفيتماني من أنفسكما ولا تكونا أول ميشوم عليّ فرحماه وقاما من بين يديه ثم جعل الخصوم يكلّمونه وهو يبكي ويقول: «ارحموني يرحمكم اللّه» (8) . فاعلم الحرس روحا بذلك، فقال: قولوا له أشر علينا بمن نولي فقال: إن يكن أحد فعبد اللّه (9) بن غانم فإني رأيت شابّا له
(1) في الرياض: ذكروه 1/ 180.
(2) في الرياض: مفكّر 1/ 180.
(3) في ت وط: حرمت. الإصلاح من: الرياض 1/ 180.
(4) في الرياض: فخرجت جارية.
(5) في ت: [كانت من بلادنا وأرضعتني وأنا صغير وبعناها] كذا في الرياض 1/ 180.
(6) الرياض 1/ 180.
(7) هو: الأمير روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب أحد القوّاد الكبار ولي إمرة الكوفة وغيرها.
توفي سنة 164 ه. ترجم له في: سير أعلام النبلاء 7/ 441، والعبر في خبر من غبر 1/ 205 كلاهما للذهبي.
(8) الرياض 1/ 183.
(9) في الرياض: فعبد اللّه [بن عمر] بن غانم 1/ 183.