معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 264
في الفقه. وكان ثقة ومحلّه من العلم معلوم، وكان إذا مرّ بمغنّي سدّ أذنيه لئلّا يسمعه فيحفظه فإنّه كان لا يسمع شيئا إلّا حفظه. روى يحيى بن [سلام] عن أبي هاشم المذكر قال: جئت أتكارى في سفينة وإذا بشاب من أبناء الملوك ومعه جارية وخدم فقلت: أحملوني معكم فحملت فلما رفعنا شراعنا قال الفتى عليّ بالغداء، فأقبل الخدم بأنواع الطّعام فقال: أنزلوا ذلك المسكين يتغدّى معنا فأتيت على أنّي مسكين فلمّا فرغ من الطّعام قال لجاريته: هاتي الشّراب فجيء بالشّراب وأنواع الفاكهة وأمرها أن تسقيني، فقلت: إنّي ضيف وللضّيف حقّ، وهذا يؤذيني فتركني ثمّ قال: يا جارية، هات العود، فجاءت به وغنّت:
و كنّا كغصني بانة (1) ليس واحد ... يزول على الحالات عن رأي واحد
تبدّل بي خلّ (2) فخاللت غيره ... وباعدته لمّا أراد تباعدي
و لو أنّ كفّي لم تردني (3) قطعتها ... وما صحبتني (4) بعد ذلك ساعدي
ألا قبّح الرّحمن كلّ مصادق ... [خليلا لنا] (5) في اليسر لا في الشّدائد
ثم التفت إليّ وقال لي: أ تحسن مثل هذا؟ قلت: أحسن ما هو خير منه، فقال: هات فقرأت: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) [التّكوير: 1] حتى انتهيت إلى قوله تعالى: وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) [التّكوير: 10] فقال الفتى: يا جارية، أنت حرّة لوجه اللّه [عزّ وجل] (6) وألقى ما عنده من الشّراب في الماء وكسّر العود وقال: يا أبا هاشم، أ تراه يقبلني ويقبل توبتي فقلت: أي واللّه ويحك إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] [فلبّى] (7) وأحرم وخرج إلى الحجّ وترك امرأته بالبصرة، وما زال مجاورا بالحرم سنين كثيرة، إلى أن مات ودفن بالحرم قال أبو هاشم رحمه اللّه تعالى: فرأيته بعد ذلك في المنام فقلت له: يا أخي إلى ما صرت [إليه] (8) بعدي؟ قال: إلى الجنة، قلت: بماذا؟ قال: بقراءتك عليّ وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) [التّكوير: 10] .
قلت: تبع في نقله هذه الحكاية أبا بكر التّجيبي.
(1) في ت: بات.
(2) في ت: في.
(3) يردني بمعنى: تطاوعني.
(4) في ت: ولم نضجي.
(5) في ت: يكون أخا.
(6) في ت: الكريم.
(7) في ت: وأبا.
(8) الزيادة من: ت.