فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 263

[فضيلة إنظار المعسر]

قلت: وهكذا كان العلماء رضي اللّه عنهم جمع اللّه لهم العلم والعمل والرحمة لخلق اللّه تعالى فينبغي أن يتخلّق الإنسان بأخلاقهم ولا تتبع علماء زماننا فإن الغالب عليهم الشّحّ وعدم الرحمة لخلق اللّه تعالى وقد كان من تجار القيروان ونحن أدركناه أبو عبد اللّه محمد بن عبد الغفار المكاري يسأل رجلا عشرة دنانير ذهبا وقد مطله بها فبينما هو يمشي بقرب عيد الفطر، إذ وجد غريمه وبيده إناء فيه زيت وعسل لعيده فلما رآه خجل فسقط من يده، فتبدّد ما فيه فعمل يده على يده ومشى به إلى داره وأخرج له ويبتين قمحا، وإناء كبيرا فيه زيت وعسل، وأعطاه عقده وسامحه وقال: دين أوصلني إلى هذا لا حاجة لي به، وهذا من بركة شيخنا أبي محمد عبد اللّه الشّبيبي رحمه اللّه تعالى، فإنه كان يحضر ميعاده على الدّوام ويسمع وعظه وإدلاله عل الخير. وكان رجل من فضلاء مدينة قفصة يمشي في غابتها وإذا برجل بين يديه فلما رآه الرجل فرّ من بين يديه ورمى بنفسه إلى طابية جنان أظنّ أنّ عليها شوكا، فلما رأى ما فعل بنفسه تفجّع وسأل عنه فقال [له] (1) بعض من حضر: هرب منك لدينك الذي عليه فقال: أوصلتني الدّنيا لمثل هذا! ورجع إلى موضعه وقطع جميع العقود التي له على الناس وأمر مناديا ينادي في أسواق قفصة ألا إنّه من كان عليه دين لفلان، فهو في حلّ دنيا وأخرى، ولمّا مرض اللّيث بن سعد (2) رأى قلّة الزائرين له فسأل عن ذلك فقيل له لكثرة ديونك على النّاس استحيى النّاس منك فأمر مناديا ينادي في أسواق مصر ألا من كان في ذمّته شيء للّيث بن سعد فقد سامحه فازدحم النّاس لزيارته حتّى كسّروا باب الدّار.

قال: ومن مناقبه أنّه دعى اللّه تعالى بثلاث دعوات فاستجاب اللّه له، منها:

أن يقضي عنه دينه فقضى دينه، وأن يورث ولده العلم، فكان كما دعا وأن يكون قبره بمقطّم مصر فكان كذلك (3) . دفن إلى جانب عبد اللّه بن فرّوخ. يحكى أنّه يرى على قبريهما كل ليلة قنديلان، وليحيى بن [سلام] (4) كتاب في التفسير واختيارات

(1) سقط من: ت.

(2) في ت وط: سعيد. التصويب من: الرياض، وهو الصواب.

(3) انظر الطبقات ص: 111.

(4) في ت وط: عبد السلام، ولقد قمنا بتصحيحه ووضعناه بين معقوفتين في العنوان بدون إشارة إلى مرجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت