فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 46
سالم بن سالم في مجالسه: دخلت مصر ورأيت العلماء فيها متوافرين، والمدينة ومكة وبها ثلاثة عشر محرابا، فما رأيت فيهم مثل سحنون وابنه بعده. وقال عيسى بن مسكين: «سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك وسحنون أفقه من سحنون» (1) . وقال القابسي: يشق علي مخالفة مالك وسحنون ولا أقدر على مخالفتهما، وأهاب ذلك هيبة عظيمة. وقال أبو سعيد بن الحداد: سألت المتكلمين فما رأيت فيهم أصح غريزة من سحنون، وكان وقورا مهابا، وقال بعضهم: دخلت على الملوك وكلمتهم فما رأيت أهيب في قلبي من سحنون. وقال عبد الرحمن الزاهد: لما خرج أسد إلى العراق، شاورته فيمن أقصد بعده أسمع منه قال لي:
عليك بهذا الشيخ فما أعرف أحدا يشبهه. وقال غيره: كان كلامه للّه، وصمته للّه إذا أعجبه الكلام صمت، وإذا أعجب الصّمت تكلم.
ذكر ولايته القضاء وسيرته فيه
قال: راوده الأمير أبو العباس أحمد بن الأغلب حولا كاملا على أن يوليه القضاء فأبى عليه، فعزم عليه بالإيمان التي لا مخرج منها فلمّا رأى ذلك سحنون اشترط على الأمير شروطا كثيرة فأعطاه كل ما سأل، وأطلق يده في كلّ ما دعاه إليه حتى قال له: إني أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك فإن قبلكم ظلامات للناس منذ زمان طويل، فقال له الأمير: نعم لا تبتدي إلا بهم وأجر الحقّ على مفرق رأسي فتولّى القضاء بهذه الشّروط، ولما رأى أن ليس أحد يستحق هذا الأمر، وأنّه لا يسعه إلّا القبول، فتولى القضاء في رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، وأقام قاضيا ستة أعوام، لم يأخذ على ذلك.
قلت: وكان سنّه يوم تقديمه أربعا وسبعين سنة، ولم يزل قاضيا إلى أن مات.
قال أبو العرب: لما سمع بعزل ابن أبي الجواد قال: اللّهمّ ولّ على هذه الأمّة خيرها وأعدلها (2) ، فكان هو الّذي ولي بعده. وذكر عريف الكاتب في تاريخه أنّ سحنون مرّ يوما بابن أبي الجواد فرأى منه ظلما، فقال: اللّهمّ لا تمتني حتى أراه بين يدي قاضي عدل يحكم فيه بالعدل، فعزل، وولي سحنون. ولما أراد محمد بن الأغلب أن يولّى سحنون جمع الفقهاء للمشورة فأشار سحنون بسليمان بن عمران،
(1) الرياض: 1/ 353.
(2) لم يرد هذا الكلام في طبقات أبي العرب.