فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 71
الجرحة أولى من التزكية، فخرج الحضرمي فقال لهم أ لا تستحيوا؟! أراد الأمير تخطيط ابن عمه ابن طالب، وتريدون عزله! انصرفوا بأمر الأمير، فرجعوا ولم ينصرفوا إليه ولم تزل أمور ابن طالب تنمو حتى عزل سليمان وولي القضاء ابن طالب والرئاسة في الوقت لابن سحنون بالقيروان، وبتونس لابن غافق، وبقسطيلة لأحمد بن علول. وذكر أن محمد بن سحنون كان جالسا ضحى من النهار يلقي على أصحابه وهو منشرح مقبل عليهم، حتى وجم فأطرق ساكتا متفكرا ثم نهض للقيام وقال: من حضرته نية للقيامه لزيارة واصل بن عبد اللّه اللّخمي المتعبد فليفعل، ثم خرج من فوره وخرج أصحابه معه، حتى وصل إلى قصر الرباط فدخل إلى القصر في اليوم الثاني والمؤذن يؤذن الظهر فنزل عن دابته وتوضأ للصّلاة هو وأصحابه، وصلوا مع واصل صلاة الظهر، فلما فرغ من الصلاة والنافلة، تقدم إليه محمد بن سحنون فقال له واصل: يا هذا رأيتك مررت بيدك على لحيتك وهذا عمل لا يجوز.
فقال ابن سحنون: وأنت يا شيخ أعد صلاتك فإنك أشغلت سرّك بي وسألت اللّه أن نأتيك ونراه قد فعل، فهل من حاجة؟ فقال له: أ تكون ابن سحنون؟ قال: نعم فصافحه وسلّم عليه وما ذكر من إعادة الصّلاة إنما هو على طريق الورع واللّه أعلم.
و هكذا كانت العلماء رضي اللّه عنهم.
قال: وروي أن محمد بن سحنون رحمهما اللّه تعالى، ناظر شيخا معتزليّا اسمه محمد قدم على القيروان في خلق القرآن، فقال محمد بن سحنون: كل مخلوق يذل للّه عزّ وجل، قال: فسكت الرجل ولم يجد جوابا فقال له ابن سحنون: كم سنّك يا شيخ؟ فقال: ثمانون سنة. فقال: اختلف العلماء في الصّلاة على الميت إذا أتت عليه سنة كاملة، وهذا الشيخ له ثمانون سنة في عدد الموتى، وشرح أربعة كتب من المدونة منها: كتاب المرابحة.
ذكر وفاته رحمه اللّه تعالى
كانت وفاته بالسّاحل وأتى به إلى القيروان وخرج النّاس لدفنه، وغلقت الكتاتب والحوانيت من أجله، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره أربعة وخمسون سنة وصلّى عليه إبراهيم بن أحمد، ودفن بباب نافع بمقربة من قبر أبيه.